بقلم : حسام الصحراء
تعطل أخيرا جهاز تحكم القيادة في معتقلي “أگديم إيزيگ”، و يوشك سحرها أن يرتد إليها ليجعلها مسخا، و أصبح وضع المعتقلين خارج السيطرة فهم يقررون من تلقاء أنفسهم و القيادة تتستر على الإخفاق، و إعلامنا الصحراوي الرسمي يحدثنا عن دروس النصر المبين، فيما دفاع المعتقلين اختلطت أوراقه و جف ريقه، و المراقبون الدوليون يعيبون علينا الارتجال و التورط عنوة في تحريف مسار المحاكمة، و العدو يجلس مراقبا من قمة الجبل و يدير الأحداث بهدوء و روية على نار هادئة و هو منتشي و “آخر حلاوة”، كما يقول إخواننا المصريون.
و ليت الكبوة في هذه المحاكمة كانت حدثا أو قرارا ثم ينسى، بل المصيبة أن نتائجها ستصبح بعد المحاكمة مسارا و صفة تلاحقنا في المحطات الدولية و في كل الصالات حيث ألفنا عرض القضية كمظلمة، كل من القيادة جعلتنا في موقع الظالم الأثيم، بعد أن سوقنا طيلة سنوات لدروس السلمية التي أعجزنا بها العدو و كرسنا بها تفوقنا في العالم على أعرق الديمقراطيات، منذ أن نجح قائدنا في الاقتراع الشهير حيث فاز بنسبة لا تقبل الجدل و لولا سماحة صدر الزعيم لأطلق المحاكمات ضد من لم يصوت له لأن العدل و الديمقراطية في منطقنا يعني أكثر من الفوز، فهو يعني أن يحكم حزب واحد أوحد البشر و الحجر و النوايا والأجيال التي لم ترى بعد النور بعدما نصب نفسه حاكما شرعيا لها... كان يحكم حتى قبل الاقتراع... صدقوني فديمقراطيتنا هي الأشهى بين الأطباق..
لن أنسى في غمرة فوضى المحاكمة أننا لا نزال ندافع عن نموذجنا في حقوق الإنسان.. النموذج الذي يجعلنا ننعت سجون العدو بأفظع الصفات و كأن القيادة تحاكم أبناء الصحراء في محاكم السويد و تسجنهم بسويسرا.. و توصي بهم خيرا حتى ينالهم نصيب من الرفاهية و حتى لا يشعروا بأن القيادة قاسية القلب بل هي تحمل قلبا قطني المنسج.. لقد نسينا و نحن نصدق عرض القيادة المسرحي بأن لنا أصدقاء جربوا سجن الذهيبية و سجن الرشيد و … و تذوقوا مرارة التعذيب بعد أن وجهت لهم تهم التخوين لا لشيء غير أنهم أصحاب رأي و منطق.. فهل يحق لنا إدعاء الطهارة الحقوقية ؟
لنا في معلقة” زهير ابن سلمى” عبرة و مثل، حينما قال: “رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم“، و كذلك حالنا مع ما فعلته القيادة بهذه المحاكمة التي تصرفت فيها بالخبط العشواء فأخطأت التصويب على العدو و أصابت القضية و جعلت الشعب الصحراوي يعيش النسيان و الهرم الجماعي، و المذهل أنها ترفع شعارات لا تتناسب مع سياق نموذجنا في الحكم و المبني على الحزب الواحد كما هي الأنظمة العسكرية المستبدة في العالم اليساري، و حتى الأسلوب الذي سيرت به القضية يجعلنا نتأكد بأنها على جهل تام بقواعد اللعبة القانونية الجنائية للعدو، و المستنبطة من القانون الفرنسي، و هي كمن دخل البحر الأجاج في يوم عاصف و هو لا يتقن السباحة.. و لكم أن تتخيلوا ما وأصاب المسكين.
ليت هذه القيادة تتخلى و لو لما تبقى من المحاكمة عن جنونها و تترك الأمور تمشي بأقدارها، خصوصا و أن الناشطان “عبد الرحمان زايو” و “التاقي المشدوفي” المتابعان في حالة سراح، يعيشان ضغط رهيبا بسبب محاولة القيادة امتصاص حريتهما و جعلهما يخدمان اختياراتها المتهورة، و هذا من شأنه أن يزكي الدكتاتورية خصوصا و أن مصادرنا الصحفية تؤكد بأن القيادة تناور بشكل مكشوف و تبالغ تحت أنظار المراقبين الذين سمح لهم العدو بالمشاركة في جلسات المحاكمة و أيضا بمتابعة ما يجري في الكواليس و لا يمنعهم من إمداد الإعلام العالمي بالمعطيات… وأخشى أن ما تقوم به القيادة سيجعل من شعار “نكون أو لا نكون” بعد المحاكمة يتحول إلى “لن نكون و لن نكون أبدا” لأنها قاسمة الظهر.