تحريك جمر العمليات العسكرية في مالي : هل لعبت الجزائر آخر أوراقها لقطع الطريق على دول الساحل نحو المنفذ الأطلسي ؟!!
بـقـلـم:بن بطوش
حينما وقف وزير الخارجية الجزائري أمام وسائل الإعلام ليعلن دعم الجزائر الكامل للوحدة الترابية لدولة مالي و رفضها للعنف و وصفه للهجوم بالعمل الإرهابي… !!، في أول رد فعل رسمي جزائري عما وقع و لا يزال في عدة مناطق منها باماكو، كيدال، كاتي، غاو، سيفاري، موبيتي، تمبكتو، ميناكا، سينو… ردت عليه وسائل الإعلام المالية و هي تصف الوزير الجزائري بـ “الشيطان المتخفي في لباس التقي الورع”، و خرج المتحدث باسم الجيش المالي يقول بأن الحكومة في باماكو ستقدم لمجلس الأمن كل الأدلة التي تؤكد تورط “دولة مجاورة” لها ،تستثمر في الفوضى لتقسيم مالي، و أنهم يمتلكون معلومات و أدلة بأن هذا النظام المجاور لهم، وفر الدعم اللوجيستي للانفصاليين (الأزواد) من أجهزة سرية، و سهل التحاق عدد من الإرهابيين المنتمين للجماعات المتطرفة المشكلة “لتنظيم نصرة الإسلام”، بعدما منحهم وسائل نقل و دعما جويا و بريا و تكنولوجيا، و مدّهم بوسائل القتال المتطورة، من ضمنها مُسيّرات محملة بالقذائف…، وإشترى لهم حقوق الوصول إلى خرائط الأقمار الصناعية، و أدوات التنصت على الهواتف و التشويش على الاتصالات و تعطيل الأنظمة الردارية و منصات الإطلاق المضادة للمسيرات.
ما أعلنه المتحدث باسم الجيش المالي مخيف، لأن الاتهامات المالية موجهة بشكل مباشر إلى النظام الجزائري، و تقول أن الهجوم عرف مشاركة جماعات مسلحة من بينهم عناصر من “مليشيات مسلحة” و آخرين من تنظيمات إرهابيةمنضوية تحت لواء ما يسمى”تنظيم القاعدة في المغرب العربي”، الذي أصبح يحمل اسم “تنظيم نصرة الإسلام”، المتحالف مع “أنصار الإسلام”، المتشكل هو الآخر من تنظيمات أخرى كـ “جند الأهوال”، “جند الأنصار”، “جند الاعتصام”، “إمارة منطقة الصحراء”، “كتيبة الملثمون”، “كتيبة طارق بن زياد”، “كتيبة الفرقان”… ثم إمارتي منطقتي الشرق و الغرب الجزائريتين، و جميع هذه التنظيمات يتزعمها “أمراء” جزائريون… !!.
نترك نتائج ما يحدث على الميدان لنفكك الوضع جيو–استراتيجيا، حتى نفهم السبب الذي جعل سلطات دولة مالي و جيشها يُفَاجَئون في هجوم خاطف…؟، و حتى نفهم لماذا الإعلام في الجزائر لا يتماهى مع ما صرح به وزير الخارجية “أحمد عطاف”، و يصر على وصف ما يقع بأنه مجرد معارضة و انقلاب على النظام؟…. بينما النظام الجزائري يصف الهجوم بالعمل الإرهابي غير المقبول، فيما وصف الإعلام الفرنسي هذا الهجوم بالعمل العسكري الانتقامي…. في حين أن دول الإتحاد الإفريقي عن بكرتها أدانت هذا الهجوم، باسثتناء جمهوريتنا الصحراوية، التي هي عضو مؤسس في الإتحاد الإفريقي و التي كان عليها ـ رغم الموقف الغادر لدولة مالي في حق قضيتنا الوطنية- أن تتناغم مع توجه المفوضية الإفريقية التي ترى في الأزواد حركة إنفصالية تستخدم الأسلحة و العنف.
في البداية كلنا متفقون و متأكدون بأن الحليف الجزائري متورط في ما يقع حتى النخاع، سواء بخطة داخلية أو بأوامر خارجية، و أن التقية التي يمارسها “أحمد عطاف” و قصر المرادية تشبه إلى حد كبير ما كان يفعله نظام العمامات السوداء في إيران، بعد كل هجوم “حوثي” على دول الخليج أو بعد كل عمل إرهابي في العراق من طرف “الحشد الشعبي”،…، لكن و في ظل وجود دولة تمتلك تكنولوجيا رصد هائلة مثل المغرب و فرنسا، التي لا تزال متواجدة في موريتانيا، و كذلك مع وجود نفوذ إماراتي وازن في المنطقة…، و أيضا بسبب وجود أسرى في المعارك من السهل الحصول منهم على شهادات و اعترافات ..، يمكن القول أن إدانة الجزائر ستكون أسهل بكثير مما كان يواجهه مجلس التعاون الخليجي في ملف اليمن و العراق…، ليبقى السؤال ما هي دوافع قصر المرادية لإسقاط حكم “أسيمي غويتا”… !!؟
قائد الحكومة الانتقالية أو المجلس العسكري “غويتا”- مع وصوله إلى الحكم – رفض الضغوط الجزائرية من أجل الالتزام بـ “إتفاق الجزائر” في ملف الصراع مع الأزواد، و رأى في مشروع الحكم الذاتي بالصحراء الغربية خطة عمل تصلح لجعل مالي موحدة و متعايشة، لكن مع تواصل الضغوط الجزائرية لمنح الأزواد استقلالا مشروطا، كالذي حصلت عليه الجزائر من فرنسا، مشفوعا بحصول الجزائر على صفة المراقب لما سيدور في إقليم الأزواد شبه المستقل، حيث كان من المفروض – في حال نجاح المخطط- أن يقيم الجيش الجزائري قواعد عسكرية، تسمح له بقطع الطريق على المعابر الطرقية المؤدية إلى الميناء الأطلسي في مدينة الداخلة المحتلة، في خطة لنسف مشروع الرباط لإعطاء دول الساحل منفذا على المحيط الاطلسي، و بالتالي سيتم اختراق الإتحاد النيجيري –البوركينابي– المالي، و إفشال التوسع الجيو-إستراتيجي المغربي المحيط بالجزائر.
لهذا رفض “غويتا” الضغوط الجزائرية التي تحولت مع الوقت إلى استفزازات حدودية – عسكرية في مناطق التماس بين الدولتين، و هي المناطق التي نجحت الحكومة المالية في تحريرها من يد الأزواد، و دفعت بالنظام المالي للبحث عن تسليح متطور و عن حلفاء أقوياء، فتقارب مع روسيا و إسرائيل و المغرب و أمريكا، لكن أمريكا و إسرائيل منشغلتان – في الظرفية الحالية- بالحرب على إيران و غير مهتمتان بما يحدث بين الجزائر و مالي…، و بعد الهجوم على العاصمة باماكو و باقي المدن المالية، أكد عدد من الجنود ظهور طائرات حربية هجومية منعت ضرباتها سقوط العاصمة و أوقفت تقدم قوات الأزواد، دون أن يتعرف أحد على جنسية المقاتلات أو نوعيتها…. و جاء في إحدى خرجات الناطق الرسمي باسم الجيش المالي، أن جيش بلاده كان يتحرك دون دعم تقني بسبب قوة التشويش، إلى أن حضر الدعم من “دولة صديقة”، و هي التي ساعدت الجيش المالي في تحديد مناطق تحرك العتاد الأزوادي، و مناطق انتشار الجماعات الإسلامية المتطرفة المشتهرة بأسلوبها القتالي المبني على التخويف عبر نشر مقاطع وحشية للإعدامات و إدلال الأسرى من الجنوب النظاميين.
النظام الجزائري كان فعلا يتوقع سقوط العاصمة باماكو بعد ساعات من المعارك، و هذا ما تؤكده لغة الإعلام في “مكة الثوار”؛ لأن المساعدة التي قدمها الجيش الجزائري للأزواد و الجماعات المشاركة في الهجوم، كانت نوعية، و يمكنها أن تمنح الانتصار في ظرف يوم من المعارك للقوات الأزوادية و الجماعات بالنظر إلى وضع الجيش المالي، لكن تدخل المساعدة التي تلقاها “أسيمي غويتا” مكنته من النجاة بعد الاستهداف، و غيرت مجرى القتال و مكنت الجيش المالي من الحصول على مساحة زمنية أعاد فيها الجيش المالي ترتيب صفوفه، و بالتالي تم إحباط عملية معاقبة النظام المالي على رفضه خطة اتفاق الجزائر و على اعترافه بسلطة الرباط على الصحراء الغربية و على الرغبة في الاستجابة إلى نداء الرباط من أجل الحصول على منفذ إلى الأطلسي.
ما وقع في مالي، كانت أثاره بادية على موريتانيا التي وصلتها رسائل الحليف الجزائري، بأن أي محاولة للانقلاب على الاعتراف بالدولة الصحراوية سيقابله استهداف للنظام الموريتاني، لكن الرئيس الموريتاني أجاب قصر المرادية عندما قرر السفر – بشكل طارئ- إلى الإمارات، على متن طائرة تابعة لشركة Sarah Airways، و هي شركة طيران مغربية متخصصة في نقل رجال الأعمال و الشخصيات، و سافر الرئيس الموريتاني عبرها رغم وجود طائرة رئاسية موريتانية من طرازBoeing Business Jet 737، تسلمتها نواكشط في فبراير 2023، كانت هبة من دولة الإمارات العربية، جعل المتابعين للعلاقات الجزائرية الموريتانية يعتبرون الحركة الرئاسية الموريتانية، تتضمن رسائل إلى قصر المرادية بأنه لا يثق بالمقربين منه و المشرفين على رحلاته الجوية، و بأنه يفضل مضلة الحماية المغربية.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك