بـقـلـم : أغيلاس
نذرت مقدمة هذا المقال لنعي أبناء الماما افريكا الذين قتلهم طيران “حفتر”، فالقلوب ثكلى من الحزن بسبب ما فعله هذا الجنرال الذي قصف طيرانه مقرا لإيواء المهاجرين أدى إلى مقتل أزيد من ثلاثين لاجئا جاؤوا فارين من شظف العيش في بلدانهم كي يموتوا في الجحيم الليبي و يدفنون بين ظفري الثورة التي قلبت حال البلاد و جعلتها هشيما تذره الرياح…، قتل “حفتر” أبناء القارة الأكثر حزنا في العالم بطريقة هوليودية، تذكرنا بأفلام أمريكا حين كانت تصور لنا الطيارين و هم يقصفون فيتنام و يمضغون العلك، كي تعيد للجيش الأمريكي هيبته التي فقدها هناك و تخبرنا أنه ذهب إلى فيتنام في مهمة إنسانية نبيلة، كذلك فعل “حفتر” الذي أراد أن يعاقب الأفارقة بحرق أبنائهم داخل دار الإيواء على وصفهم له #بجنرال_الإمارات”…، هذا ما فعلته الثورة بليبيا، فما هي أخبار الجزائر ؟
بعيدا عن دماء الأفارقة المراقة على الأراضي الليبية و قريبا من الأحداث التي تأثر مباشرة على قضيتنا الصحراوية…، و بخوف أقل و طموحات عظيمة، يواصل الشعب الجزائري حراكه و السلطة لا تزال تناوره و تتلوى في الاستجابة لرغباته، و تتفادى الاصطدام به، بعدما أبان عن إصرار رهيب لتطهير كل دواليب السلطة من رموز النظام القديم، و منذ اندلاع الحراك و إلى غاية اللحظة لم يقدم الشعب الجزائري أي تنازل، فيما السلطات الجزائرية تخسر في كل يوم نقاط جديدة في مواجهته، لدرجة أنها دخلت مرحلة الصراع الذاتي فيما بينها داخل المؤسسات الكبرى للبلاد و قد لا ينتهي هذا الصراع قبل أن يدك ما تبقى من أركان النظام.
و بسبب قوة الحراك و خسائر النظام قرر الرئيس المؤقت للبلاد “بن صالح” إطلاق الحوار الوطني الشامل في خطاب وجهه للشعب الجزائري بمناسبة الاحتفال بعيدي الاستقلال و الشباب…. هذا الحوار – المشروع الذي يمكن تسميته بمشروع القرن داخل الجزائر، على اعتبار أن الأيادي التي تدعم “بن صالح” داخليا و خارجيا، جيّشت كل وسائل الإعلام و الصفحات على مواقع التواصل، لإقناع الشعب بالدخول في حوار وطني وصفه المدونون الجزائريون المقيمون خارج البلاد، بأنه دعوة صريحة من “القايد صالح” للشعب لفتح باب المفاوضات المباشرة، و تخليص الجزائر من مرحلة الاحتباس السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي التي تغرق فيها البلاد، غير أن أمر هذه الدعوة التي يُرَوّجُ لها “بن صالح” بكل قوة، تبدو أكثر تعقيدا بقليل مما نراه لأن غايتها تخفي مشروعا لاحتواء الحراك و لجمه و تقويضه بفرض إرادة بعض الأطراف داخل و خارج البلاد.
فخطاب “بن صالح” الأخير الذي كشف فيه عن مشروع الحوار الاجتماعي، قال فيه بالحرف: “الحوار أضحى أمرا مستعجلا يتعين على بلادنا اللجوء إليه و في أسرع وقت ممكن لاستعادة سجيتها السياسية و المؤسساتية” و أضاف كذلك: “و بغية إبعاد أي تأويل أو سوء فهم فإن الدولة بجميع مكوناتها، بما فيها المؤسسة العسكرية لن تكون طرفا في هذا الحوار و ستلتزم بأقصى درجات الحياد طوال مراحل هذا المسار، حيث ستكتفي فقط بوضع الوسائل المادية و اللوجستية تحت تصرف الفريق المسير”، هذا التحييد للمؤسسات العسكرية و المدنية الحاكمة يؤكد بأن “القايد صالح” هو من يقف خلف مشروع الحوار الشامل و يحاول به تطويق الحراك الذي بدأ يصر في شعاراته على تنحية قائد الجيش و محاسبته.
و هذا ما يطرح أمامنا قراءة منفردة لا ثانية لها، تؤكد بأن “القايد صالح” يحاول عبر هذا الحوار كشف الوجوه التي تقود الحراك، لأنه من المستحيل مشاركة الملايين كلها في الحوار و على الشعب تعيين مخاطبين يجالسون حكماء النظام الذين سيجري تعيينهم لاحقا، و بالتالي سيتم فرز نخبة تظم أصحاب الرأي القوي داخل الحراك و هو ما سيمكن السلطات الجزائرية من التعرف على قادة المسيرات، و المؤثرين الذين يجيشون عند كل جمعة ملايين المتظاهرين الناقمين على بقايا فلول النظام، عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، و بعد التعرف عليهم لن يبقى أمام الدولة الجزائرية العميقة غير مرحلة المساومة أو التركيع لجعل القادة يصطفون إلى جانب إرادة قائد الجيش.
هذا الأسلوب الذي إبتكرته الدول الغربية خلال الثورة الصناعية لفرز النخب وسط الثورات و مساومتها أو إكراهها على تنفيذ الأجندات و تفتيت تماسك الثوار، لم يعد ذا نجاعة بسبب أن قادة الحراك في ظل التكنولوجيا و التطور الحاصل في أدوات التواصل هم مجرد حسابات على مواقع التواصل، يمكن أن تدار تلك الحسابات مجتمعة من أي إنسان داخل الحراك، و قد ينتقل الحساب الواحد بين العديد من الأشخاص، لأنه شخصية معنوية، فمراهق بالكاد تخلى عن طفولته قد يكتب تدوينات تتسبب في إشعال غضب الأمة و يدخل قوات الدولة لنفق الحيرة المظلم، و يحشد الرأي العام ضد النظام، و يتحول إلى قائد ملهم للحراك بين ليلة و أخرى…، و هذا السبب كافي للحكم على مبادرة “القايد صالح” التي جاءت على لسان الرئيس المؤقت “بن صالح” بالفشل الذريع حتى قبل أن تحدث…
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك