بقلم : الغضنفر
يؤكد علماء النفس أن أتعس الناس وأكثرهم مرضا عضويا ونفسيا هم من يملكون “ذكاءا وفطنة مع ذكريات سيئة“، و نحن الصحراويون – للأسف- تجتمع فينا هذه المعادلة، فذكاءنا فطري منذ الولادة و تاريخنا و حاضرنا فيه من المآسي ما يشيب له الوليد، لذلك – أنا اليوم- أدعو عموم الشعب الصحراوي أن لا يكونوا أذكياء طيلة حياتهم …؟ !! فالحياة أحيانا تحتاج إلى أن نضحك على أنفسنا لنتجاوز إحباطنا بسبب توالي نكسات قيادتنا.
نعم… هيا لنضحك على أنفسنا ولا يضر كذلك أن نُستغبى و نُستحمر – أحيانا- فنكون عميانا وصما، لنتجاوز بعض الأحداث العارضة بكل هدوء، و تحضرني – و أنا أكتب هذا المقال- قصة “حاتم الأصم”، و كان من علماء الدين، حيث يقال أن امرأة جاءته تطلب فتواه في بعض الأمور، و بينما هي تحدثه خرج ريحها فأحدث صوتا، فاستحيت المرأة وانقبضت على نفسها، فقال لها : “ارفعي صوتك يا أمة الله فإني ثقيل السمع”، ففرحت واستبشرت فسمي بعدها هذا الفقيه بالأصم رغم أنه لم يكن يعاني من مشكلة في السمع.
فالقيادة الصحراوية خرج ريحها عندما حاولت تبرير انسحاب قواتنا من منطقة الكركرات، بكونه مجرد إعادة انتشار، لذلك لن أطلب منها رفع صوتها و أدعي الصمم بل سأدعي العمى، لأن الواقع و المنطق يفضحان الموضوع و يجعلا الكلام عن إعادة انتشار مجرد ذر للرماد في العيون، إذ لا معنى لهذه العبارة إذا كان مجموع القوات التي رابطت بالمكان لا يتعدى مجموع فصيلتين أي حوالي 120 فردا؟ … بمعنى أن العدد قليل جدا للحديث عن إعادة انتشاره و كأنه يسيطر على المنطقة، كما أن مساحة المكان و طبيعة تضاريسه تجعل منه في استراتيجيات الحرب فخ كبير، فعرضه لا يتعدى في أحسن الأحوال 5 كيلومترات بين الحدود الموريتانية و جدار قوات الاحتلال، و لذلك فإعادة الانتشار في مثل هذه الظروف لا طائل منها ما دامت قواتنا ستبقى مرصودة من طرف رادارات جيش الاحتلال.
أنا لست من أولئك الذين يرون في موضوع انسحاب قواتنا هزيمة و تقهقر و انكسار و ما إلى ذلك من الكلام ذو الحمولة العسكرية، لأن جيشنا ببساطة لم يخض حربا بالمعنى المادي للكلمة، حيث لم تعترضه عقبات للوصول إلى منطقة الكركرات، اللهم معاناته مع التضاريس حيث قضى ثلاثة أيام في الطريق و اضطر للاحتماء ببعض الأحجار من عواصف الرمال، بمعنى أن تواجده بالمنطقة لم يكن تتويجا لمعارك حربية مع جيش الاحتلال، و كل ما فعله خلال الأشهر التي قضاها في المنطقة لا يمكن اعتباره عملا عسكريا بل مجرد مشاكسات مع سائقي الشاحنات المغاربة حول أمور تافهة، و بالتالي فإن مسألة انسحاب جيشنا تبقى عادية جدا و لا تنقص من قدراته و لا مكانته.
فالقيادة السياسية هي التي منيت بالهزيمة و ليس الجيش الشعبي، لأن المعارك بسبب أزمة الكركرات –منذ لبداية- كانت سياسية محضة، و عرفت دبلوماسية المحتل كيف تحسمها لصالحه، أما قيادتنا فقد عجزت عن استقراء اللعبة ما زالت تصر على استحمارنا عبر الترويج لعبارة “إعادة انتشار”، مع العلم أن البروتوكولات التي تم التوقيع عليها لوقف إطلاق النار سنة 1991 تنص على وجود منطقة عازلة منزوعة السلاح تماما لمسافة 5 كيلومترات شرق و جنوب الجدار الرملي لجيش الاحتلال، بمعنى أن قواتنا لن يكون بمقدورها البقاء بالمنطقة الجنوبية لهذا السبب، و هذه مسألة يعرفها المتتبعون للقضية الوطنية.
و حتى إن فرضنا جدلا بوجود إعادة انتشار في منطقة الكركرات بابتعاد قواتنا 200 إلى 300 متر -كما يتداول- عن الطريق سبب الأزمة، ما الفائدة إذن من هذا التكتيك، إذا كان المحتل قد ضمن ابتعادنا عن الشريان الرئيسي لاقتصاده مع إفريقيا.
هناك مسألة أخرى ربما لن تكون للقيادة الصحراوية الجرأة لمناقشتها مع القواعد و هي الكلفة المالية لتواجد قواتنا بمنطقة الكركرات، إذ أن الماء لوحده و هو المادة الحيوية التي لا يمكن الاستغناء عنه، يكلف الانتقال لمسافة 100 كيلومتر ذهابا و إيابا من أجل إحضاره من حاسي يوجد بمنطقة “بولنوار” بموريتانيا، هذا ناهيك عن المواد الغذائية الأخرى … و حتى لا أصدع رؤوسكم أكثر بكلام العقل و المنطق…دعونا نستمر في الضحك على أنفسنا لنستفيق يوما و قد تبلدت كل أحاسيسنا بالقضية الوطنية.