بقلم : الغضنفر
نعتبر قمة في السخافة و الابتذال أن يحمل موضوع معين عنوانا مثيرا يشدك لقراءته حتى ولو كان وقتك ضيق، فتكتشف بعد قراءته أنه تم خداعك و تحس بمرارة الندم على الدقائق التي أضعتها و أنت تلتهم عباراته أملا في أن تجد مادة صحفية تعكس مضمون العنوان البراق ..! هكذا طلعت علينا “راديو اميزرات” يوم الاثنين 10 غشت 2015 بمقال يحمل عنوان : ” سابقـة تاريخية : مواطنين مغاربة من مواليد مدينة العيون يعتبرون جبهة لبولسياريو ممثلهم الشرعي “… أي نعم… لقد اعتقدت للوهلة الأولى أنني أمام سبق صحفي خطير و أن ما يتبجح به المحتل المغربي من “إجماع وطني” حول “قضيته الأولى” قد بدأ يتهاوى و يتلاشى… و أن الخبر فعلا سابقة في تاريخ الشعب الصحراوي… أن تتعزز مطالبنا بأصوات أبناء المحتل نفسه…غير أنني اكتشفت بإجراء بحث بسيط بأن “الخبر” مجرد جعجعة فارغة لا تستند إلى أي معطيات ميدانية…
هذا الخبر “العظيم” إن دل على شيء فإنما يدل على قمة الاستهتار بعقول الصحراويين و بذكائهم، و على مستوى الانحطاط الذي وصلت إليه بعض قنوات إعلامنا، التي بدأت تكتب أي شيء حتى و لو من الخيال …. لذلك أتساءل إن كان هذا العنوان الرنان الخالي من المضمون مجرد عملية أريد منها –عن سبق إصرار و تخطيط- دعوة المستوطنين المغاربة المزدادين بالمناطق المحتلة إلى الانخراط في المشروع الثوري الصحراوي؟…. أم هي مجرد مخص و إسهال إعلامي عارض أصيب به “الساهل ولد أهل ميليد” مدير شبكة “راديو اميزيرات”؟… قد يزول مع الوقت…؟؟
و حتى إن فرضنا جدلا بأن هناك “شلوحة” يُبايعون جبهة البوليساريو و يعتبرونها ممثلهم الشرعي، هل تعتقدون فعلا أن ذلك في صالح القضية الصحراوية؟، ….مع العلم أن القيادة الصحراوية – نفسها – واعية بهذا المشكل و كانت قد أخذت بعين الاعتبار نسبة المستوطنين المغاربة بالمنطقة التي تفوق المواطنين الصحراويين و اقترحت على الأمم المتحدة أن تمنحهم الجنسية الصحراوية في حال استقلال الإقليم.
و مع ذلك لا أرى في مقترح القيادة الصحراوية هذا أي منطق أو عقل، لأنه من المستحيل على اي إنسان القبول بتغيير انتماءه الوطني بجرة قلم سياسية… فالأمر لا يتعلق بتغيير قميص بل بمنظومة مقدسات و مبادئ و قيم يتربى عليها الفرد منذ نعومة أظافره…. و لا يمكن حدوث تحول أو تغيير في هذه المنظومة إلا بمرور أجيال مع ضرورة وجود عوامل محفزة و مؤثرة لحدوث ذلك التغيير في السلوك و في القناعات…
و في حالتنا، لا تعتبر جبهة البوليساريو بكل المشاكل الداخلية التي تتخبط فيها، و على رأسها إمعانها في تكريس العصبية القبلية كمحدد لمكانة الفرد في المجتمع، عاملا محفزا و مؤثرا في استقطاب الشباب الصحراوي للانخراط في النضال ، فما بالك بالشباب المغربي المزدادين بالصحراء الغربية، و ذلك بسبب عدم قدرتها على انتاج نخب جديدة و سيطرة نفس الوجوه على المشهد السياسي منذ عقود، مما أدى إلى توالي النكسات في مسايرة المستجدات و التعاطي مع التحديات الوطنية…
هذا بالإضافة إلى بنية المجتمع الصحراوي التقليدية المتمثلة في القبيلة، التي تطرح عدة عراقيل في بناء مجتمع ديمقراطي، رغم كل محاولات القيادة لتفتيت هذه البنية، تحت شعار “الوحدة الوطنية”، إلا أنها تبقى متجذرة في سيكولوجية الإنسان الصحراوي…و بالتالي فإن أي حديث عن إدماج المستوطنين المغاربة في الدولة الصحراوية بمنحهم جنسيتها، يبقى كلاما لا منطقيا و سرياليا في الوقت ذاته، لأنه ببساطة لا ينسجم مع واقع و خصوصيات المجتمع الصحراوي حيث تسيطر عقليات تؤمن بالطبقية من منظور انتماء الفرد القبلي و من منظور نوعية العمل الذي يمارسه (طبقة “البيظان” و طبقة “لمعلمين”).
لذلك فأعتقد بأن نظرية منح المستوطنين المغاربة الجنسية الصحراوية غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع…لأنهم ببساطة سيكونون مجرد مواطنين درجة سفلى في تراتبية مواطني الجمهورية الصحراوية….و بالتالي لن تشكل مسألة قيام الدولة الصحراوية على أرض الساقية و الوادي في حال حدوثها سوى بداية لثورات أخرى قد لا يكون العدو فيها هو النظام المغربي، بل مع اللوبيات الصحراوية المستفيدة من الاحتلال التي ستتضرر مصالحها بالإضافة إلى المستوطنين المغاربة الذين أصبح عددهم يفوق عدد الصحراويين بالمنطقة…و بالتالي لن يرضوا في إطار ما تفرزه اللعبة الديمقراطية إلا أن يكونوا حكامها…. استنادا إلى أعدادهم الكبيرة .
اعتقد أن “شبكة راديو اميزيرات” لم تستوعب الدروس في السنتين الأخيرتين، حيث تم تنبيهها غير ما مرة بأنها بدأت تفقد مصداقيتها مع مرور الوقت، وذلك بشهادة صحفيين صحراويين و أجانب، منهم من عرى في أكثر من مرة “عثراتها” و “سقطاتها”، المتعمدة و غير المتعمدة، في موادها الإعلامية و طريقة نشرها للأخبار.
في الأخير أقول انه آن الأوان للمكتب التنفيذي لراديو اميزيرات القيام بمراجعة فاحصة للذات و لميكانيزمات العمل الصحفي الحقيقي خصوصا في كيفية التعاطي مع المعلومة و الخبر و معالجتها من الشوائب و السموم لمقارعة إعلام العدو، بالحجج و البراهين، و حتى نؤدي الرسالة بأمانة و نضمن مصداقية و موضوعية إعلامنا الذي أتمنى له يوما الاستقلالية عن كل التعليمات الواردة من فلان أو علان….
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم