بقلم : الغضنفر
منذ أن بدأت قناة الرحيبة بإذاعة شرائط الفيديو لأشخاص من مخيمات العزة و الكرامة يطلقون على أنفسهم “شباب التغيير”، حاولت ما أمكن أن لا أتفاعل كتابة مع ما جاء في هذه الشرائط، من منطلق اللامبالاة حتى لا أعطي فرصة لمثل تلك الترهات أن تصبح حديث العامة و بالتالي توفير إشهار ودعاية مجانية لقناة الرحيبة.
إلا أنه بعدما لاحظت بأن بعض المنابر الإلكترونية العتيدة كـ “شبكة ميزيرات” تتطرق إلى هذا الموضوع و تعطي بعض الأخبار عن “شباب التغيير” و التي من شأنها أن تصب الزيت على النار، بادرت إلى طرح وجهة نظري المتواضعة حتى لا تُعطى للأمور الصغيرة أكثر من حجمها الطبيعي.
فقد جاء في “شبكة ميزيرات الإعلامية” بأن %87 من الأشخاص الذين راسلوها يطالبون القيادة الصحراوية بإلقاء القبض على أولئك “الخونة”، كما نشرت خبرا آخر تقول فيه بأن المخابرات المغربية تصرف -منذ أربعة سنوات- ثلاثة ملايير سنتيم شهريا على هذه المجموعة من “الخونة” من أجل زعزعة الاستقرار بالمخيمات.
بخصوص مسألة الدعوة إلى اعتقال من يطلقون على أنفسهم “شباب التغيير”، فهذا أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه القيادة في حق القضية الصحراوية لأنها ستعطي للمحتل المغربي الفرصة لكي يشن حملة ضدها حول موضوع معتقلي الرأي بالمخيمات، لأن ما يسمى بـ “شباب التغيير” عبروا عن آراء فقط و لم يقوموا بأية أعمال تخريبية في المخيمات، ولا ننسى بأننا بنفس المنطق نحارب المحتل المغربي كلما كان هناك اعتقال من طرفه لأحد نشطاء الانتفاضة.
أما مسألة اتهام”شباب التغيير” ب “الخونة” و “العملاء” فهو اتهام يحتمل التأكيد و النفي في آن واحد، وهناك خيط رفيع بين التعبير عن الظلم و بين الخيانة في المخيمات، و المسألة تحتاج إلى مزيد من التدقيق و إلى بعض القراءة التحليلية حتى لا نتحمل وزر اتهام إخوان بالباطل و الذي من شأنه أن يساهم في التفرقة و ذلك للأسباب التالية:
أولا: هؤلاء الشباب لم يصرحوا أبدا بأنهم مغاربة و لا بأن الصحراء مغربية و اكتفوا فقط في تصريحاتهم بانتقاد القيادة الصحراوية التي وصفوها – حسب تعبيرهم – بالفاسدة الهرمة.
ثانيا: نحن نعلم بأن الأمور بالمخيمات ليست على ما يرام، و يكفي قراءة ما تنشره مجلة “المستقبل الصحراوي” الإلكترونية حول الأوضاع هناك، لنعرف بأن أحوال إخواننا اللاجئين تسير من سيء إلى أسوأ، بسبب سياسة قطع الأرزاق التي تنتهجها القيادة، بتعليمات من السلطات الجزائرية، و الخاصة بمسألة تجارة المحروقات، هذا بالإضافة إلى أحداث ليلة الاحد 11 ماي بمخيم العيون، و كذلك فضيحة النصب و التزوير التي تعرضت لها الناحية العسكرية السادسة.
ثالثا: إن الخطوة التي أقدم عليها هؤلاء الشباب و إن كانت في الظاهر تبدو كأنها عمالة للمحتل المغربي، إلا أنها في الحقيقة تحمل خيرا للقيادة الصحراوية ، مصداقا للقول “رب ضارة نافعة”، و ذلك عبر تنبيهها إلى ضرورة تحسين أوضاع ساكنة المخيمات قبل فوات الأوان.
أما خبر تمويل هؤلاء “شباب التغيير” من طرف المخابرات المغربية بثلاثة ملايير سنتيم شهريا، فأستغرب من هذا الرقم و لا أدري من أية مصادر استقت “شبكة ميزيرات” هذا الخبر الخطير…الخطير إن كان صحيحا أو كاذبا، لأنه إن كان كاذبا و الغاية منه هو تخويين “شباب التغيير” في إطار الحرب الإعلامية ضد المحتل، فإن مجرد ذكر ذلك الرقم سيجعل من الشباب غير المؤطر سياسيا و العاطل عن العمل بالمخيمات يتسابق –للأسف- من أجل ربط علاقات مع المخابرات لتحسين وضعيته… و لنتذكر في هذا الصدد ملف “العائدين”.
أما إن كان هذا الخبر صحيحا -و هي مسألة مستبعدة كثيرا في نظري- فذلك معناه أن المخابرات المغربية صرفت إلى حد الساعة ما مجموعه 1.440.000.000 درهم، خلال الأربعة سنوات الأخيرة –أي حوالي 144 مليون أورو- على حفنة من الخونة…. أي مخابرات غبية في العالم ستدفع هذا المبلغ لتحصل في نهاية المطاف على بعض تسجيلات لأشخاص ملثمين، كلماتهم و عباراتهم لا تغني و لا تسمن من جوع؟
لنتكلم بالعقل، و بعيدا عن التعصب للأفكار الوطنية و للحماسة الفارغة، هل المغرب في مقدوره صرف هذا المبلغ شهريا؟ و إذا كان بمقدوره ذلك أليس الأولى به صرفه في المناطق المحتلة للحد من مظاهر الاحتجاج؟ لنكن منطقيين مع أنفسنا، فلو صرف المغرب أقل من المبلغ المذكور في مدينة كالعيون المحتلة، لما كان هناك مخيم “إكديم إزيك”، الذي أنشأ في بدايته بسبب مطالب اجتماعية محضة، و الذي كان بإمكان المحتل تفاديه لو حقق مطالب “مجموعة الشباب الصحراوي بدون دخل و لا سكن”.
لو صرف المحتل أقل من هذا المبلغ لما كنا نتحدث عن “أسود ملحمة اكديم ازيك” الذين يشكلون حاليا أساس استمرارنا في الانتفاضة، عبر الحملة الدولية لاطلاق سراحهم و سراح كل المعتقلين الصحراويين… لو صرف المغرب أقل من مليار سنتيم شهريا بالعيون لما كان هناك مجموعات كـ “إكنيدلف” و لا “ذوي الحقوق المكتسبة” و لا “الأطر العليا المعطلة” و لا “مجموعة رافضي الجنسية” و لا حتى بعض المناضلين الذين ينشطون معنا اليوم لغاية في نفس يعقوب…..باختصار لو كان للمغرب القدرة المالية لتجفيف كل منابع الاحتجاجات الإجتماعية لما كانت هناك انتفاضة التي تشكل اليوم الورقة الوحيدة من أجل ربح رهان القضية الصحراوية…فهل نحن في مستوى هذه المسؤولية؟
يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا و نقول بأن كل تحركات “شباب التغيير” التي تقع في المخيمات هي رد فعل طبيعي من أناس أحسوا بالظلم من طرف القيادة و عبروا عن ذلك بطريقتهم… قد نتفق أو نختلف مع طريقتهم… و لكننا مجبرون من باب احترام حرية التعبير ألا نخوّنهم و أن نترك للتاريخ مسألة الحساب و العقاب….فـ “رب ضارة نافعة”.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]