بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
من نوادر القيادة الصحراوية المثيرة للغط و السخط، أن “خطري ادوه” كتب تدوينة قبيل الدفن الراحل الكبير “خداد” قال فيها (لاه يندفن الصبح إلا “رفات” محمد خداد ماه “جثمانه”)، الرجل يعتبر لسان القيادة و صوتها، و تدوينته تلك جعلت الشعب الصحراوي عن بكرة أبيه يتساءل عما يوجد في الصندوق الذي لف بالعلم الصحراوي، هل هي جثة “محمد خداد” أم شيء آخر، و لماذا قال أنهم أحضروا الرفات و ليس الجثمان…؟، و على الرجل أن يعلم حجم الشك الذي أوقعته تدوينته في القلوب، و أن من أوحى إليه ليشرح لنا أن الصندوق يضم الرفات و ليس الجثمان، قد بعثر ببساطة أحجية بين أيدينا و تركنا نجتهد في الفهم و نظن أن “محمد خداد” قد يكون دفن بإسبانيا لأن وفاته صادفت ذروة تفشي الوباء كورونا، حين كانت الوفيات مهولة و عجزت مستودعات الأموات الإسبانية على إستيعاب الكم المهول من الجثث…، فهل كان يقصد القيادي المفوه أن “محمد خداد” دفن بإسبانيا و ما بقي من أشيائه أو أشلائه هو ما دفن بمخيم السمارة…!!؟ فكم نحن بحاجة إلى صمت فلاسفة البيت الأصفر لنعيش بسلام مع أفكارنا و معتقداتنا.
و مثلما كان متوقعا، و بعد أسابيع طويلة من الانتظار، و دون الخوض في ما حدث بين السلطات الأسبانية و نظيرتها الجزائريين على قنوات الاتصال قبل أن تفرض الأولى على الجميع رأيها و تطلب التريث، و هي تعتبر نقل جثمان القيادي الصحراوي ليس ضمن أولويات البلاد الأيبيرية في الظرفية التي كانت عليها أوروبا…، و انتظر الجميع أن تفتح إسبانيا أجوائها لتحمل طائرة شحن جزائرية رفات الفقيد، و تنزل به إلى مطار تندوف حيث وجد في استقباله والي تندوف و بعض القادة العسكريين، و لم يحضر أحد من قصر المرادية و لا حتى وزيرا عاطلا في زمن الكورونا من حكومة “عبد العزيز جراد”…، و اصطف الجميع للصلاة عليه جنبا إلى جنب من غير اعتبار لمسافة الأمان الصحية، لربما كان المؤمنون من القادة الصحراويين و الجزائريين يعتقدون أن الوباء لا يقوى على الصمود أمام مناعتهم…، مع العلم أن الطائرة التي نقلت جثمان الفقيد جاءت من إسبانيا بؤرة التفشي الأوروبية، و حطت بتندوف التي بلغت بها أعداد الإصابات 14 حالة مؤكدة.
غير أن وفاة حكيم الدبلوماسيين الصحراويين بعد صراع طويل مع المرض العضال، جعلنا نتوجس من الأسباب و من الطريقة التي أصبحت تقليدية في موت قادة الصف الأمامي للقضية الصحراوية، بالأمس نفس المرض العضال غيب القائد الكبير “محمد عبد العزيز” و نفس القاتل عاد ليسقط “البخاري” من لائحة الرواد، و هو نفسه اليوم يطعننا في “محمد خداد”، و اللائحة لا تتوقف هنا، و كأننا أمام قاتل متسلسل طليق يحمل لائحة للنخبة و لا ندري من القادم، و كل ما نعرفه أن الأخ القائد “إبراهيم غالي” يعاني نفس الأعراض و زوجة القائد الراحل “خديجة حمدي” تتلقى حصص علاجية لنفس السبب، و من غير شك ثمة شرح للأمر.
قادنا الفضول إلى مقال نشرته قناة الجزيرة بتاريخ 2016.19.03، كان تحقيقا صحفيا عن بعض الأسرار الفرنسية المدفونة بهذا الجزء من العالم، حمل التحقيق عنوان “المأساة المنسية”، و الأمر مرتبط بالتجارب النووية الفرنسية في الجزء الغربي من الصحراء الجزائرية، و قد تحدث المقال عن حقائق مخيفة جدا، حيث جرى رفع السرية في الأرشيف الفرنسي عن خرائط انتشار الغبار النووي بعد تلك التجارب التي قيل أنها حصلت في عين تمنراست و جنوب بشار…، و التي إعترفت فرنسا أنها أجرت هناك 13 تجربة تحت إسم “اليربوع الأزرق”، فيما قال الباحث وأستاذ الفيزياء والكيمياء النووية في جامعة وهران “كاظم العبودي” مؤلف كتاب “يرابيع رقان” بأن فرنسا أجرت 57 تجربة نووية بالجزائر.
الحقائق تزداد خطورة و يزيد معها فهمنا للأمراض التي تنتشر داخل المخيمات بصمت رهيب، مع البحث عن الـ34 تجربة غير المذكورة و المنسية تماما داخل الأرشيف الفرنسي، و حتى داخل أرشيف الجيش الجزائري، و قد استخدم فيها أزيد من 42 ألف جزائري كفئران تجارب حسب ما أورده الباحث الفرنسي المتخصص في التجارب النووية “برينو باريلو”، فيما نشرت وزارة الدفاع الجزائرية إعترافا أن 150 جزائري ربطوا على أعمدة بقرب مراكز التفجير النووية لدراسة آثار تلك التجارب على الإنسان، و يزيد الأمر هولا مع نشر وزارة الدفاع الفرنسية حقائق حول طبيعة التفجيرات النووية و التي استخدم فيها اليورانيوم الذي تبقى آثاره 24.400 عام، كما استخدمت البلوتونيوم الذي تستمر آثاره 4.5 مليارات عام.
غير أن السؤال الذي يخصنا كصحراويين في هذا البحث هو ما علاقة تلك التجارب بحالات موت القادة الصحراويين بمرض معين و خاص، ثم ما أسرار التجارب الـ 34 التي تنكر وزارة الدفاع الجزائرية حدوثها…؟ ذلك أنه حسب التقرير الذي حصلت عليه وكالة الأنباء الفرنسية يعود لسنة 1998 من مسؤولين عسكريين لم تسمهم يقول بأن الجيش الفرنسي أرسل جنودا إلى مواقع تجرى فيها التجارب في صحراء الجزائر بين 1960 و1966 لدراسة الآثار الجسدية والنفسية للسلاح الذري على الإنسان، و يسترسل التقرير بأن النتيجة كانت باهرة و أن الجنود أثبتوا أنهم قادرين على مواصلة القتال بعد 800 من بؤرة التفجير و رغم أنهم ضمن مجال تساقط الغبار الملوث.
و الملاحظ أن الفترة المذكورة بين 1960 و 1966 هي الفترة التي شغل فيها “الهواري بومدين” وزارة الدفاع الجزائرية، و التي كانت تنسق مع الجيش الفرنسي عمليات التجارب، و هي الفترة التي تخللتها حرب الرمال سنة 1963، و تضيف التقارير أن التجارب الـ 34 كانت بمنطقتين بشار و تندوف و أن وزارة الدفاع الجزائرية لم تطلب من الفرنسيين تنظيف المجال من الثلوث النووي، لأن وزارة الدفاع الجزائرية كانت تحصل مقابل كل تجربة على أموال من الجيش الفرنسي و الدليل أن الجيش الجزائري كان يقوم بتنظيف المكان باستخدام عمال غير مؤهلين للمهمة، و يجهلون خطورتها، و كان من بينهم “محمد شنافي” و “عمار بوجلال بلقاسم” اللذان قدما شهادتيهما على ما شاهدوه و ما تأثيراتها الصحية عليهما بعد استخدامهما ضمن فريق يضم آخرين لجمع النفايات النووية.
المصيبة أن الأرض التي منحتها الجزائر للجوء أهالينا إبان الإجتياح المغربي للصحراء الغربية، هي المنطقة الأكثر تلوثا حسب ما تخبر به خرائط انتشار التلوث النووي لدوائر التجارب النووية الفرنسية، و الأخطر أنه لا توجد دراسة حتى اليوم عن نوع هذا التلوث و مدى تركيزه بالمياه و الهواء و التربة…، و عن عدد المصابين داخل المخيمات بهذا التلوث النووي، و لا عن أنواع الأمراض التي يتسبب فيها التلوث في جميع الفئات العمرية، مع وجود إجماع علمي على أن الأمراض السرطانية في المناطق الصحراوية تكون قليلة إلى منعدمة، فيما بالمخيمات الإصابات بالأمراض السرطانية تكاد تكون قياسية، و أعلى من المعدل الطبيعي بكثير، و إذا كان القادة على قلتهم قد نالت منهم الأمراض الخبيثة، فإن أعداد الضحايا في صفوف الشعب الصحراوي يصعب حصره، فهل تعرض الشعب الصحراوي لمؤامرة حقيقية…؟
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك