بـقـلـم: حـسـام الصـحـراء
رغم أن هذه الأرقام لا تدعو للفخر و لا تثير فينا مشاعر الاعتزاز، لأن العرب هم الأمة الأكثر إنفاقا على الحروب و الأكثر بحثا عن السلاح في زمننا هذا، إلا أنه لابد أن نضع قراءة للتقرير الدولي الأخير الذي كشف لنا معطيات جديدة حول التسليح بإفريقيا، و كيف أن الجزائر و المغرب و ليبيا و تونس يسيطرون على 70% من صفقات التسليح بالـ “ماما أفريكا”، و هذه القراءة لن تكون إلا عبر الإجابة عن الأسئلة التي تخص ماهية هذه الضرورة التي تجعل بلدان شمال إفريقيا تتحول إلى زبون مواظب على اقتناء تكنولوجيا الدمار البشري من المصنعين الكبار للأسلحة؟ و ما علاقة هذا السباق المحموم بالقضية الصحراوية؟ … ثم ما مصير تلك الأسلحة و أي تأثير لتلك الصفقات على الوضع التنموي بدول شمال إفريقيا؟
المحتل المغربي غالبا ما يجيب عن سؤال سر اقتناءه لتلك الأسلحة ذات التركيبات و الأنظمة التكنولوجية الدقيقة و المعقدة، بأنها لحماية الوطن من المخاطر و ليس بالضرورة موجهة لعدو معين، لكن الحقيقة أن كل دول الجوار تستعد و تتحرز..، سواء خوفا من لوثة الإرهاب الذي يضرب بقوة في الساحل و الصحراء، أو من سوء الفهم الذي قد يقع على الحدود بين الجيران و إن كانت هذه الحوادث – و الحمد لله- في شمال إفريقيا قليلة الحدوث، لكن بين المغرب و الجزائر يوجد كلام كثير، و بين الجيش الصحراوي و المغرب يوجد كلام أكثر في الموضوع.
غير أننا سنختار البحث عن الخطوط الكبيرة لهذا السباق المجنون نحو التسلح، حيث أكد التقرير الدولي الصادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أنه خلال الفترة ما بين 2014 و 2018، ارتفعت مقتنيات الأسلحة و الذخيرة في صفقات قياسية عقدتها الجزائر بنسبة تضاعفت إلى 55 %، رغم المشاكل الاقتصادية التي تعانيها الدولة الجزائرية و رغم انهيار أثمنه المحروقات العالمية، و تدني قيمة الدينار الجزائري أمام “الروبل” و “الأورو” و “الدولار”، إلا أنها واصلت خلال الخمس سنوات الأخيرة إنفاق المليارات على تطوير قدراتها الحربية مع التذكير بأن الجزائر لم تشارك في أي حرب مع أي تحالف سواء عربي أو دولي، و هذه الاستثمارات جعلت الجزائر تحتل المرتبة الثانية إفريقيا بعد مصر.
فيما حل المغرب في الرتبة الثالثة؛ إذ نالت الصفقات المعلنة التي عقدها نسبة 15% من حصة الصفقات بالقارة الإفريقية و تركزت تلك الصفقات حول دبابات “الأبرامز” المعدلة و أنظمة الرصد و التتبع و التسليح الخاص بمقاتلات F16 و كذا أنظمة صاروخية للردع الجوي، و الراجمات..، لكن هناك صفقات سرية تحدثت عنها الصحف الإسبانية و أظهرت مخاوف التي تسيطر على حكومة مدريد بسببها، لم تدرج ضمن اللائحة التي اعتمدها معهد ستوكهولم، دون ذكر الأسباب، و ما يمز الصفقات المغربية و الجزائرية هي طبيعة العتاد و نوعيته، حيث أن المحتل المغربي يعتمد دوما في صفقاته على العتاد النوعي ذا التكنولوجية الحربية المعقدة كما هو الحال بصفقة القنابل الموجهة بالليزر JDAM، و التي أثارت استياء الجار الإسباني للمملكة.
بينما نجد الجزائر لا تعتمد الصفقات النوعية إلا ناذرا، بل تبحث عن الأسلحة ذات القدرة التدميرية الكبيرة، لإضفاء طابع السيطرة الإقليمية في لعبة التوازنات بين الترسانات و تحقيق ما يراه قصر المرادية تفوق إستراتيجي انطلاقا من التفوق الميكانيكي و العددي، حيث تقتني الجزائر أسلحتها من روسيا و الصين، و رغم أن الجزائر ليست راضية على تلك الصفقات بسبب تكلفتها العالية، كما هو الحال بصفقة النظام الدفاعي الصاروخي S.300 و الذي كلف خزينة الجزائر حوالي 3 مليارات من الدولارات، و هو رقم يتجاوز القيمة الحقيقية لهذه المنظومة التي أصبحت متجاوزة بعد ظهور الجيل الرابع منها و يتعلق الأمر بمنظومة S.600، الشيء الذي دفع بالرأي العام داخل الجزائر للحديث عن صفقات مشبوهة و تضخيم للأرقام، لأن دولة مصر حصلت على S.400 المستحدثة بأقل من ذلك و بكثير.
لكن ما يهمنا في هذا التحقيق حول التصنيف الدولي الأخير لسباق التسلح بين دول شمال إفريقيا، ماهي الغاية من هذا التكديس المستمر للأسلحة؟ إذ تَعْتَبرُ الجزائر نفسها معنية و مستهدفة من طرف الإرهاب الذي أصبح متطورا و يمتلك آليات قتال متطورة، فيما يرى المحتل المغربي نفسه مستهدف من طرف الجيش الصحراوي و يتهم الجزائر بتسليحه، و أنه يجب عليه الحفاظ على نفس السرعة التي تمشي بها الجزائر في قضية تطوير قدراتها الحربية، فيما الواقع يقول بأن المغرب و الجزائر لا يزالان يعانيان من أعراض الحرب الباردة رغم أن جدار برلين إنهار منذ سنة 1989…. و يبقى السؤال أين قضيتنا الصحراوية من كل هذا ؟ و هل نستطيع مواكبة هذا السباق المجنون ؟
وسط هذا السباق و التسارع لاقتناء الأدوات التكنولوجية للتخريب و التدمير بين الرباط و الجزائر، تقبع قضيتنا دون أدنى حركة و تظهر عليها علامات الذهول، حيث فرض هذا الصراع القوي بين الجارتين نوع من الجمود على عملية السلام الذي ظننا أننا سنربحها إذ ما جنحنا إلى الحل الدبلوماسي و السياسي، لأن المعارك الحربية التي حدثت بين الجيشين الصحراوي و المغربي، كانت غير عادلة بسبب قدرات المغرب القتالية و تجهيزاته، و تلك المصاعب التي واجهتنا خلال النزاع المسلح مع العدو هي ذاتها التي نواجهها اليوم في الساحات الدبلوماسية، فلا نزال نعاني من السيطرة المغربية على الرأي الدولي، إذ حول المحتل كل المنظمات الدولية و المواعد الدبلوماسية إلى معارك يحسمها بجيش اللوبيات الذي يشتغل لحساب مصالحه.
ليبقى المتضرر الأكبر من هذا الصراع المحموم بين الجزائر و المغرب هو المواطن البسيط في شمال إفريقيا و كذلك المواطن الصحراوي في أرض اللجوء و المناطق المحتلة، مع امتياز نسبي لصالح المحتل المغربي الذي نجح إلى حد ما في رهان التنمية الاقتصادية..، و تمكن من تحويل اقتصاده إلى منظومة منتجة، فيما لا يزال الاقتصاد الجزائري يعتمد بشكل كلي على ريع المحروقات، بينما تونس تصارع للعودة إلى نقطة البداية، فيما ليبيا المنهارة تحولت إلى وطن للفوضى و الموت.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك