بـقـلـم: حـسـام الـصـحـراء
فجأة، اصبحت قيادتنا في “الرابوني” تتصرف بتجاهل تام مع ما يجري في إفريقيا، و أصبح لمنابرنا عادات صحفية غريبة عن القضية الصحراوية و فيها نوع من دَلاَلِ الحكم وخَنَثِه، فالكل يغطي أنشطة السيد الرئيس و يسابقون الزمن لتحقيق السبق و نشر صوره مع “اللفت” و “الجزر”..، ثم ينسبون له تصريحات حين يرافق الوفود دون أن نرى لها بيانات تؤكدها أو تنفيها، حتى أصبحت قضيتنا في حال يشبه الرجل الخارق “فالوديا” الذي أصبح حديث مواقع التواصل الاجتماعية هذه الأيام، و هو رجل روسي يظهر في شريط مصور و داخل مستشفى و في ظهره سكين كبير عالقة، لكن الروسي “فالوديا” صُوّر و هو يترك سريره حيث تُجرى له الفحوصات، و يمشى إلى خارج الجناح الطبي، مرتديا فقط “تبانا”، و خلفه الفريق الطبي يستغرب ما يفعله “فالوديا” الذي بعد جهد عظيم وصل إلى فضاء خارج الجناح.. و هناك طلب من ممرض أن يمكنه من سيجارة، فدخنها ثم عاد إلى قاعة العلاج، و كأن شيئا لم يحدث.
تفرقت الانطباعات لدى شعب “الفيسبوك” الروسي، فمنهم من اعتبروه “بطلا خارقا”، لكن الأغلبية أجمعت “أن هذا التهور الذي جعله لا يأبه لطعنه و السكين العالقة في ظهر و يكابر في مغامرة غير محسوبة ليدخن سيجارة، هو الذي جعله يجني طعنة كانت لتقتله لولا حظه الكبير..، و إن نجا منها و لم يتغير سلوكه، فالقادمة ستكون هالكة..”، و هذا يشبه ما يحصل مع قيادتنا الصحراوية، فالقضية الوطنية مثخنة بالطعنات و بالكاد نتحمل نحن كشعب أوجاع ذلك الإحباط، لكن القادة يصرون على التصرف بتهور و إهمال كبيرين، و الرئيس “إبراهيم غالي” الذي كان عليه أن يعين خلية يقظة لتتبع ما يجري في العمق الإفريقي، أو كأضعف الإيمان كان على صحافة اخبار “اللفت” أن تواكب مستجدات أبناء “الماما أفريكا”، و تنشر تقاريرها الصحفية لإثارة الانتباه، لأن الانتخابات التي مرت في كل من السينغال و نيجيريا، هي دروس ديمقراطية، و كذلك هي مستجدات، و على البيت الأصفر أن يقرأ المستقبل عبرها.
“أبوجا” زفت عرشها من جديد للرئيس “محمد بخاري”، و تجديد الثقة في رجل مسلم له دلالات كبيرة، لأن نيجيريا بلد التعدد و هو أيضا بلد ثري، و له وزنه السياسي و الإستراتيجي و الدبلوماسي داخل الإتحاد الإفريقي و داخل منظمة “الأوبك”، فكيف غابت هذه المعطيات عن القيادة الصحراوية التي تخلت فجأة عن الإيمان بهذا الرئيس..؟ و ربما كانت القيادة تمني النفس أن تفرز الصناديق اسما من المعارضة، حتى ينسف المشروع الفرعوني الذي سينقل الغاز النيجيري إلى قلب أوروبا مرورا بدول إفريقيا الغربية.
إذا ما فكرت القيادة بهذا المنطق، فستكون قيادة محدودة الأفق و غير مبتكرة و تنقصها الشخصية السياسية المؤثرة في محيطها، لأن نيجيريا لن تتخلى عن المشروع مهما كان اسم الرئيس الذي سيفوز بتلك الانتخابات، و أن القيادة عليها أن تثابر أكثر لتخترق القلعة النيجيرية، و السبب في ذلك هو الربط الطاقي بين أبوجا و الرباط، أصبحا خيارا إستراتيجيا و تتشابك فيه مصالح قوى دولية كبيرة، كما أن المحتل المغربي يقدم خدمات أمنية- استخباراتية مجانية لنيجيريا و يمكنها في حربه ضد تنظيم “بوكو حرام” من صور الأقمار ذات الدقة التكنولوجية العالية، و هي الخدمة التي كانت في الماضي لا تحصل عليها دولة نيجيريا إلا تحت شروط مجحفة و مكلفة من دول أوروبية تستغل الضعف الإستخباراتي لدول إفريقيا من أجل ابتزازه و تحصيل الامتيازات.
هذا بالإضافة إلى كون الرباط قدمت مشروعا طاقيا خرافيا إلى دول الغرب الإفريقي، و سيذر هذا المشروع على خزائن دولة نيجيريا عائدات كبيرة من العملة الصعبة، بل سيربط مصالح أوروبا بدول الغرب الإفريقي و سينقل للمرة الأولى -منذ بدأ البشرية- القرار الاقتصادي الأوروبي إلى خارج حدود دولها و تحت رحمة الدول الإفريقية، و سيضمن المشروع معدل نمو سنوي لدول الغرب الإفريقي قد يصل إلى 8٪، و هذا النمو يكفي ليضع دول إفريقيا على صعيد واحد مع الدول الصاعدة في آسيا أمريكا اللاتينية، و هذا كان جوهر الحملة الرئاسية لـ” محمد بخاري” الذي وعد النيجيريين خلال حملته بإكمال مشروع القرن الطاقي و منحهم فرصة قوية للتنمية.
لا أظن أن هذه المعطيات تخفى على القيادة الصحراوية بـالرابوني، لكن صحافتنا تتحمل جزءا مهما من التضليل الذي يستشري بين صفوف الرأي العام الصحراوي، لأن فهم السياقات سيجعلنا نتحمل الصدمات و نتقبل الوضع كما هو، غير أن الصمت الرهيب و المطبق للقيادة و الصحافة الصفراء، و التي تبدع في تحويل سيلفي الرئيس مع “لفتة” إلى حدث كبير و تتجاهل سباق الرئاسيات في العمق الإفريقي و ما يرافق الأمر من أحداث، يضيف إلى مأساتنا جرحا جديدا، فيما القيادة على طريقة الروسي “فالوديا” تفضل المشي رغم حجم الألم و قسوة الجرح، و البحث عن المزيد من النشاطات التافهة تمنحها نشوة الإنجازات رغم وهم الحدث.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك