بـقـلـم: حـسـام الـصـحـراء
كنت أود ترك الكلام عن رئاسيات الجزائر إلى أن يشتد النفير بين الأحزاب و تتشكل الرؤى عند المتابعين و تبدأ الصحافة في النفث على لهيب البرامج، و يخبرنا العارفون ما كشفته لهم فناجين المتنافسين على كرسي قصر “المرادية”، لكن غضبة الشارع الجزائري، و رفضه للعهدة الخامسة للرئيس الحالي “عبد العزيز بوتفليقة”، و تأثير هذا المخاض على قضيتنا الصحراوية، و ما قد يحمله المستقبل من مفاجئات..، هو ما عجل بكتابة هذه السلسلة من المقالات، خصوصا و أن رئاسيات 2019 ستكون منعطفا كبيرا في التاريخ الحاضر لحليفتنا، و العالم يتابع بريبة شديدة ما يجري في هذا “الوطن-القارة”، الجار لأوروبا،… فصورة الوضع تنذر بأن هناك مفاجئة ستحدث عما قريب، فإما أن هذه الانتخابات ستعرف دخول اسم جديد من خارج المؤسسة العسكرية إلى بيت الحكم، و ستتشكل بالتالي “الجمهورية الثانية”، و إما أن الأحداث ستتطور الى حدوث عصيان مدني جديد، يقلب الوضع في الجزائر رأسا على عقب… و هذا ما لا نتمناه أبدا.
جزائر اليوم مختلفة تماما عن الجزائر التي عهدناها قبل العشرية السوداء، و خلال العشرية السوداء، و حتى عن تلك الجزائر التي تشكلت صورها خلال زمن المصالحة، لأن الغضب الموجود اليوم في شوارعها، له ما يبرره على الأقل من الجانب السياسي و الإجتماعي، و فترة حكم الرئيس الحالي التي توشك أن تكمل في أبريل القادم عشرون سنة كاملة..، لا يراها الشعب بعين الرضا..، عقدين من الحكم لرجل المصالحة الأول بالبلاد، و هو رجل ثقة كل الأطراف داخل الجزائر، و صاحب الحل الذي أخرج البلاد من فتنة أزهقت أرواح آلاف الجزائريين… هذه الحقبة من تاريخ الجزائريين تحتاج إلى تقييم موضوعاتي يجيب على كل التساؤلات، ما الذي أضافه “بوتفليقة” بعد المصالحة؟
مع بداية الألفية الثانية، شهدت أسعار خامات البترول و الغاز الطبيعي ارتفاعا مهولا، و امتلأت خزائن البلاد بالأموال، و أدت الحكومات الجزائرية المتعاقبة ما كان عليها من ديون و سددت للبنوك العالمية كل المستحقات، بل و أصبح العالم يتحدث عن فائض كبير في ميزانية الجزائر لم يتم استثماره، حيث تحدث التقارير السرية و الدراسات الأوروبية على أن دولة الجزائر أصبحت تتوفر على احتياطي مالي رهيب، و أنها ربحت خلال عشر سنوات فقط أزيد من 1100 مليار دولار..، و العارفون الاقتصاديون يقولون بأن 100 مليار دولار ، أي 10 % فقط من احتياطي ما ربحته الجزائر، تكفي لبناء دولة حديثة بمواصفات اقتصادية كبيرة.. وهذا كلام الخبراء.
في خضم هذه البحبوحة المالية، أصبح الكل يتحدث عن دولة الجزائر الثرية التي أقرضت صندوق النقد الدولي “FMI“، و ألغت كل ديونها على القارة الإفريقية، و قررت إعادة بناء الجيش بصفقات تسليح خرافية، مقاتلات “السوخوي” SU-30 و SU-35 ، نظام صاروخي معقد S.300 و S.400، دبابات روسية جبارة T-90، مروحيات “صياد الليل” MI-28-N (التي نفدت هجوم “عين أميناس”)..، غواصات من طراز الثقب الأسود الروسية الشبحية، أنظمة مراقبة و تجسس عالية الدقة لرصد الحركات المنتشرة في الصحراء الواسعة و مراقبة الحدود مع ليبيا المنهارة و تونس الثائرة، ثم صفقات صيانة فرضتها روسيا بقوة التكنولوجيا التي يرفض الروس تسريبها إلى خارج حدودهم..، كل هذه الصفقات كلفت خزينة الجزائر أزيد من 200 مليار دولار.
كما تطورت علاقات الجزائر مع جيرانها الأفارقة، عبر تمويل الأنظمة الإفريقية، خصوصا الناطقة بالانجليزية، للحد من سلطة فرنسا في العمق لإفريقي و إضعاف الوجود المغربي و حشد التأييد لقضيتنا الصحراوية، و إنشاء حلف جزائري قوي يضم دولا صديقة و أخرى غيرت مواقفها أمام إغراءات أموال البترول و الغاز..، فبدأت تظهر في إفريقيا شخصية الجزائر القوية، القطب المسيطر.. هكذا أرادها النظام المحيط بـ “بوتفليقة”.
بدا النظام الجزائري الذي أوفد دبلوماسييه شرقا و غربا بحقائب مالية مكتنزة بالدولارات، في صورة الرجل الذي أستيقظ ذات صباح ليخبروه أنه تحول إلى ثري متخم بالأموال، وقرر فجأة شراء كل شيء..، دون تردد..، حصلت الجزائر على موقع متقدم داخل الاتحادات، حتى أن مسؤولا جزائريا تهكم على اتحاد المغرب العربي قائلا: “و ما نفع هذا الإتحاد إذا كانت الجزائر ستكون فيه قوة مسيطرة لوحدها، ستقوم فيه بكل شيء، التمويلات و البرامج.. نحن لدينا كل ما ينقص الآخرين.. نحن دولة قارة”.. فهم الجميع بأن الجزائر أصبحت لوحدها إتحادا، و أكبر بكثير من كل دول الجوار.
استفادت قضيتنا الصحراوية كثيرا من هذا الوضع الجديد، و عوضتنا الجزائر عن كل الخسائر التي منينا بها خلال فترة بداية العقد الأول من الألفية الثانية، و تمكنت الدبلوماسية الجزائرية من مساعدة قادتنا على القيام بالاختراقات، و جعل قضيتنا فوق كل الطاولات، و لها من يؤمن بها، لقد حصلنا أخيرا على لوبي داخل الإتحاد الأوروبي و آخر في الكونغرس الأمريكي و غيره داخل اتحادات كانت بعيدة علينا، و لا قدرة لنا على اختراقها، كرابطة الشعوب البريطانيّة “الكومنولث” و اتحاد “بنلوكس”، و مجموعة “ريو” اللاتينية…، و لم نشعر بتأثير كبير لتخلي بعض الأصدقاء علينا.. حينها كان المحتل المغربي يعيش عسرا اقتصاديا مزمنا، و بصدد بناء شخصيته الاقتصادية، لأن أموال البترول الجزائري بدأت تشكل خطرا على الرباط.
و رغم كل هذا الزخم الكبير و الثورة النفطية التي أَدَرّت على خزائن الجزائر المال الكثير، لم يكن الشعب الجزائري يعيش في أحسن أحواله، و لم يقوى نظام “بوتفليقة” على وضع سياسة اجتماعية واضحة، لكن المصالحة التي حدثت و أوقفت العنف و أعادت الهدوء و الطمأنينة إلى الشارع و انتصار الجيش في حربه على الإرهاب..، كل هذا جعل مشاعر الرضا تسيطر على نفوس الشعب الجزائري الذي أصبح ينظر للرئيس “بوتفليقة” نظرة البطل المنقذ من العشرية المظلمة، لقد أصبح الشعب أكثر إيمانا بالمستقبل بعد توقف العنف و امتلاء الخزائن و توفر رجل المرحلة، و الثورة الاقتصادية بدت أمرا واقعا و على مرمى القرار السياسي لقصر “المرادية” و ستقلب حال الجزائريين رأسا على عقب… بقيت هذه الأماني قائمة إلى حدود العهدة الثالثة للرئيس “عبد العزيز بوتفليقة”…
(يـتـبــع)
|
|
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك