بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
في مقال تحت عنوان “لست مجنونا” للكاتب المصري الأنيق “الدكتور أحمد توفيق”، حكى فيه قصة طريفة و حقيقية، حول سائق سيارة إسعاف كان مكلفا بنقل بعض المجانين إلى مستشفى “العباسية” الشهير في العاصمة القاهرة، غير أن السائق أحس برغبة في تدخين سيجارة، فقرر التوقف أمام المقهى و نزل للبحث عن نشوته، و عندما عاد لم يجد أي مريض داخل الإسعاف، بعدما فروا جميعا، فقرر الخروج من ورطته بدهاء و خبث، حيث ارتكب واحدة من جرائم العصر في مصر، عندما ذهب إلى محطة للنقل العمومي و أخد ينادي “العباسية … العباسية” (في اشارة الى حي العباسية)، و رغم أنها سيارة إسعاف ظن المواطنون أن الرجل يحاول التحايل على الحكومة و رفع دخله باستغلال سيارة الإسعاف، فركب معه العدد المطلوب (نفس العدد من المجانين الذين فروا)، و انطلق بهم إلى المستشفى و سلمهم للأطباء هناك، و وقع على وصل التسليم… ثم فر بجلده، و رغم أن الركاب كان بينهم المعلم و الأستاذ و الموظف و العامل…، فلم ينجحوا في إقناع الأطباء و الممرضين بأنهم تعرضوا لخدعة أوصلتهم بالخطأ إلى المشفى، استغرق الأمر أسبوعًا كاملا حتى عرف الجميع الحقيقة، و تم تقديم فيلم سينمائي كوميدي عن هذه القصة الحقيقية، و زج بالسائق في السجن.
أي تشابه بين شخصيات القصة المصرية و القضية الصحراوية هو من باب الصدفة ليس إلا، فالمقال لم يتضمن أي تشبيه للسائق مع حاكم البيت الأصفر، و لم نقل خلاله أن حيلة السائق بنقل العقلاء إلى المستشفى تشبه حيلة النظام العسكري الجزائري بنقل الشعب الصحراوي من الوطن بالصحراء الغربية إلى شعاب و فيافي تندوف هروبا من الوطن كي تصبح رحلة بحث عن الوطن، و لم يحصل أن قلنا في المقال بأن الأطباء الذين خدعهم السائق هم المنتظم الدولي، و أن الأسبوع الذي احتاجه الأمر كي تنكشف الحيلة يساوي أربعة عقود من المناورة و التضليل التي مارستها قيادتنا…، أبدا لم نقصد هذا و الأمر محض صدفة… صدقوني كما صدقتم القيادة خلال المؤتمر الأخير.
يوم الخميس الماضي، أفتى مجلس الأمن في الاحتجاج الذي قدمته الجزائر، بعدما طالبت باجتماع عاجل للنظر في استفزازات المحتل المغربي، و فتحه لتمثيليات قنصلية بالمدن المحتلة، و رغم أن الجزائر أرادته أن يكون طلبا سريا و غير معلن، و أخفته تحت ستار أصدقاء الصحراء الغربية، و أرادت توريط جنوب إفريقيا التي لم تتردد في ذكر اسم الجزائر داخل الكواليس، بفضح الأمر و الإشارة إلى أنه يتعلق برغبة نظام “تبون” في إصدار قرار أممي يقضي بتعطيل الآلة الدبلوماسية المغربية، سواء في إفريقيا أو في الصحراء الغربية…، حيث عقد الاجتماع في ظرف خاص و بتقنية الفيديو و قدم الأمين العام الأممي “غوتيريس” تقريره المفصل و المنقول عن تقرير بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، و انتهت جلست الخميس بتأكيد مجلس الأمن على أن المحتل المغربي لا يخالف الشرعية الدولية في عملية فتح تمثيليات بمدن الصحراء الغربية، و أنه يمارس حقه السيادي، و أن البعثة الأممية سجلت بارتياح حجم التنمية المحققة بالصحراء الغربية.
مجلس الأمن خلال اجتماع الخميس ختم بشكل رسمي الفتوحات الدبلوماسية للمحتل برمز الشرعية المطلقة، و أغلق كل الأقواس التي فتحتها الجزائر و قيادتنا للنقاش، و أعدم كل المبادرات و التحركات الممكنة في هذا الباب…، و أن مجلس الأمن بهذا القرار يعاقب الجزائر و القيادة الصحراوية على اختيارها هذا التوقيت لفتح هكذا نقاش، كما أرسل إشارات لجميع الأطراف يؤكد من خلالها على أنه و بكل دوله و تشريعاته له الثقة العمياء في المغرب ليفعل ما يشاء بالصحراء الغربية…، ليبقى السؤال محصورا في التفاصيل الدقيقة عبر البحث عما وقع بالضبط في الكواليس ليغضب مجلس الأمن بهذا الشكل و يقرر جلد القيادة الصحراوية و النظام الجزائري…!!!
ما حدث بالتفصيل أن الجزائر و على نقيض ما روجت له إعلاميا، فهي لم تطلب من مجلس الأمن برد الاعتبار الدبلوماسي للدولة و للشعب الصحراوي، و لم تشتغل على ملف القضية الصحراوية لمحاصرة الدبلوماسية المغربية…، بل تحركت بقوة في الكواليس من أجل مصالحها بالمنطقة بكل أنانية، و لم تتمكن من إخفاء نيتها في ممارسة نوع من الوصاية على الصحراء الغربية مع تأخير دور الدولة الصحراوية، و الدليل على هذا الكلام أن الجزائر قبل أسبوعين طالبت بترسيم الحدود البحرية مع إسبانيا مباشرة بعد أن استطاع المحتل فرض ترسيم لحدود الصحراء الغربية مع جزر الكناري، و حين غضبت مدريد و هددت الجزائر بشكل رسمي عبر القنوات الدبلوماسية الأوروبية، وافقت الجزائر على التراجع و وضعت لذلك شرطان؛ أولهما الضغط على الرباط و منعه من فرض الأمر الواقع و تحقيق التوسع البحري، و الثاني دعم مقترح أصدقاء الصحراء الغربية بالأمم المتحدة لاستصدار توصية تدين فتح القنصليات بالمدن المحتلة…، و هي المقايضة التي رفضها الأسبان جملة و تفصيلا.
كما قامت الجزائر باقتراح دعم لإسبانيا بمجلس الأمن في أي قضية خلافية يمكن لمدريد فتح ملفها ضد الرباط، حول الحدود البحرية و أن الجزائر مستعدة لتقديم شهادتها لصالح الإسبان حول شرعية سلطة مدريد على الجبل البركاني “تروبيك” المكتشف سنة 2017 بالخسف القاري من طرف باحثين إنجليز و إسبان، و الذي يحتوي على معادن ناذرة كالذهب و ﺍﻟﺘﻴﻠﻮﺭﻳﻮﻡ المستخدم في تكنولوجيا النانو ﻭ ﺍﻟﻜﻮﺑﺎﻟﺖ، غير أن الأسبان و الأمم المتحدة خيبوا ظن الدبلوماسية الجزائرية، التي لم تجد أمام هذا الفشل الذريع غير إرغام القيادة الصحراوية على كتابة بيان إلى عموم الشعب الصحراوي، تعلن فيه أنها ستتوقف عن دعم المسار السلمي الأممي…، و أنها لن تهدد هذه المرة بالسلاح بل ستغضب و ستدخل الحجز الصحي و تغلق على نفسها الأبواب و ستحرم المنتظم الدولي من طلعتها البهية و إشراقتها الرائعة إلى أن يجد مجلس الأمن مسارا أكثر سلما و حبا و وئاما… و هذا ما أصبح يعرف صحراويا بأعراض متلازمة الفشل المستجد rasd vid-2020.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك