المؤتمر الـ 15 للجبهة : التصويت ضد تحديد العهدات للأمين العام و إجماع على إعادة الحصانة لأعضاء الأمانة
بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
ذات جنازة و هي تمر بأحد الأزقة الفقيرة، انتبه إليها رجل من الحي المنهك بالفقر فوقف احتراما للموكب، و هو يحمل بين ذراعيه طفله، ثم مرت أمامهما امرأة مكلومة و هي تصيح خلف الجنازة : “سيأخذونك إلى بيت لا سراج فيه و لا فراش و لا خبز”، فنظر الطفل إلى أبيه و قال : “إنهم ذاهبون به إلى بيتنا يا أبي…”، كان فهما بريئا و بسيطا من الطفل الذي عبر بصدق عن واقع حالهم الذي لا يختلف عن حال القبور، و هو نفس الصدق الذي نحتاجه كي نعبر عن واقع الحال الذي توجد عليه المخيمات؛ حرمان مطلق و مأساة تكاد لا تنتهي، و قصص من الفقر و العطش و نقص في الأدوية و الأكل و الغطاء، بينما يرغد هذه الأيام المؤتمرون في بذخ الولائم و المشروبات و غنج المقام، و تُنفق الأموال و ترصد المواكب لنقل البشر إلى كبد الخلاء و مدهم بالزاد و إرضاء مؤتمري الأرض المحتلة بمبالغ مالية…، كل هذا ليقال في صحافة التي لا يقرأها أحد، أننا عقدنا مؤتمرنا في الأراضي المحررة و ذلكم نصر مبين… !!
غير أن ما تعتقده قيادتنا مؤتمرا خارقا، يكاد يكون توليفة فضائح و نسيج مهانات للديمقراطية لا حصر لأبعادها، و كانت القيادة تنتظر أن يبهرنا هذا المؤتمر بنتائجه، و مخرجاته و توصياته و ظروف سيره، و ما أنفق عليه من أموال المحرومين، غير أنه يكاد يتسبب في جلطة وطنية لذوي العقول و أهل العلم و المعرفة و حكماء القضية و الذين يَزِنُون منا بموازين العقل و الفهم، و قد يدفع عدد منهم إلى تغيير فهمه للقضية، ليبدأ في تخليص نفسه من وباء النضال عبر اتباع حمية نضالية و اعتزال أحلام الوطن…، لأن ما حدث خلال المؤتمر شيء مهين للممارسة الديمقراطية و للثورة الصحراوية و لطموحاتنا كشعب يحاول الارتقاء بقضيته ليستحق أن يناضل من أجل الحصول على وطن، لكن المؤتمر يؤكد لنا للمرة الخامسة عشر في 46 سنة، أننا لم نرقى بعد إلى مستوى الذي نستطيع معه أن نكون شعبا يستحق الحصول على دولة ذات مؤسسات و هوية.
ذلك أن المؤتمرين الذين تم اختيارهم بدقة و عناية، و بعدما طلب منهم الرئيس – أو هكذا كان يقتضي دوره في المسرحية- ان يتم الاتفاق على تحديد سقف يحدد عدد العهدات الرئاسية و يمنع الخلود في كرسي الحكم، حيث ظننا جميعا أنه ربما يحدث في هذا الخلاء ميلاد ديمقراطية، و ربما ندفع العالم ليتوقف عن الركض و ينتبه لما نصنعه للتاريخ العربي…، لتخيب آمالنا و يعود المؤتمرون و يرفضون مقترح الأخ القائد، و يتشبثون به كرجل مخلص، مذكريننا بما قالته يوما الكاتبة الجزائرية الرائعة “أحلام مستغانمي” : “نحن أمة تصنع أصنامها، وتهتف بحياة جلاديها، وتتغنى بشوارب مستبديها.. وبشبابهم الدائم، وهى التي في مزايدة جماعية على المذلة الطوعية، جعلتهم يبدون جميلين وأقوياء إلى ذلك الحد الذي يفقدهم صوابهم”.
بعد أن رفض المؤتمر “اقتراح” السيد الرئيس لتقليص عدد عهدات الحكم، على رأس الدولة الصحراوية، و نحيبهم حوله و دعائهم له بالخلود، عاد المؤتمرون ليدمرا أحد المكتسبات الديمقراطية، و يسقطوا القضية في وحل المهانة، بعدما قرروا إعادة الحصانة إلى أعضاء الأمانة الوطنية، و هي الحصانة التي سحبت منهم خلال المؤتمر الرابع عشر بعد حرب طاحنة و صراع رهيب بين المؤتمرين و المستفيدين منها، غير أن الذي قرر اختيار أسماء المشاركين في عمليات التصويت و الاقتراح و الاختيار، كان في غاية الدهاء، و ذكرنا بالانتخابات التي كانت تجري قبل الحرب العالمية الثانية بالدول الشيوعية، حينما كانت تعرف النتائج و نسبة المشاركة و اسم الفائز و فارق الأصوات شهرا قبل إجراء الانتخابات.
عادت الحصانة إلى أعضاء الأمانة الوطنية، و أصبح لديهم غطاء قانوني ليعيثوا فسادا فوق فسادهم، و ليزيدوا في منسوب “التهنتيت” الذي كان الرئيس قد وعد بمحاربته، و رغم أن سحبها خلال السنوات الماضية كان شكليا فقط و ظلوا يحتفظون بحصانة من نوع خاص، حيث يستمدون قوتهم من تجار المخدرات الذين يضغطون بكل قواهم على البيت الأصفر لفرض إرادتهم، و تمرير وجهات نظرهم، و الدليل على ذلك أن القيادة عندما قررت الهجرة بالمؤتمر إلى الأراضي المحررة، كانت تعلم أنه لا قدرة لها على تموين المؤتمر خارج حدود المخيمات، و فجأة ظهرت أرتال و اساطيل من السيارات التي خرجت من الفراغ لتنقل جيوش المشاركين، و ظهر البذخ و الولائم و المآذب في ذلك الخلاء بعدما نصبت الخيام، فيما الأكباد الجائعة في المخيمات تشكوا لربها ظلم السياسة و السياسيين من بني جلدتنا.
لكن ما يمكن اعتباره مستملحة المؤتمر، هو منح رئاسة لجنة الانتخابات لوزير المياه والبيئة السيد “إبراهيم بوخروطة”، و هو الرجل الذي أغرق المخيمات في العطش، بعدما عجز عن حفر الآبار، و تخصيصه ناقلات المياه لأغراض عجيبة، حيث جميعنا يتذكر كيف حرم المخيمات من الماء و تسبب في أزمة عطش كبيرة، و كان سيؤدي بمخيم السمارة إلى كارثة حقيقية لولا ألطاف القدر، ليجد نفسه بعد الفشل في تدبير جرعات المياه يرأس لجنة حيوية، و يكلف بصناعة التاريخ، لهذا يمكن القول أن نتائج الانتخابات كانت محسومة مسبقا.
ما كشف عنه المؤتمر من أحداث، يؤكد أننا لا نزال على بعد ألاف الأميال من التساوي مع الأمم الأخرى، و أننا لا نزال نفكر بعقلية البدو الرحل، و لا يزال “التهنتيت” يحكمنا، و أننا كشعب لسنا أفضل حال من قادتنا… و أن هذه القضية لا تعاني في الأصل من قوة المحتل فحسب، بل أن مصيبتها في شعبها و في قيادتها و في مؤسساتها… و هل نمتلك فعلا مؤسسات..!!!؟
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك