تفيد آخر الأخبار بأن الشابة الصحراوية “محجوبة محمد حمدي الداف” قد وصلت يوم الأربعاء 29 أكتوبر 2014، على الساعة الثانية عشرة و عشرون دقيقة بالتوقيت المحلي، إلى مطار مدريد على متن طائرة قادمة من الجزائر العاصمة.
و حسب ما نشرته الزميلة “المستقبل الصحراوي” فإن “محجوبة” قد لجأت إلى حيلة من أجل الفرار من بيت أهلها بولاية العيون، حيث طلبت من أمها صبيحة يوم الثلاثاء 28 أكتوبر 2014، أن تعطيها جواز سفرها الاسباني للاطلاع عليه، قبل أن تستغفل أفراد العائلة و تختفي عن الأنظار.
و فور اكتشافها لفرار ابنتها نظمت عائلتها تظاهرة ، عشية نفس اليوم ،أمام مقر ولاية العيون احتجاجا على اختفائها في ظروف غامضة، كما نظمت صبيحة يومه الأربعاء وقفة أخرى أمام مقر الأمانة الوطنية.
و حسب بعض مراسلينا في مخيمات العزة و الكرامة فإن “محجوبة” عند فرارها من منزل عائلتها ، كانت هناك سيارة بيضاء من نوع “ميرسيدس” في اتظارها و هي لتي أمنت لها رحلة الوصول إلى مطار تندوف و منه انتقلت جوا عبر طائرة عسكرية إلى مطار بوفاريك نواحي العاصمة الجزائرية، حيث ربطت هناك الاتصال بالسفارة الإسبانية التي رحلتها إلى مدريد.
و مما لا شك فيه فإن السلطات الصحراوية -و كذلك الجزائرية- متورطة في عملية الفرار هاته حيث رضخت للابتزاز الدبلوماسي و الإعلامي الإسباني، رغم التزام قيادة البوليساريو، على لسان ممثلها في مدريد “بشرايا حمودي بيون”، بأن الأمر يتعلق بكرامة الصحراويين و “أن الكرامة لا تباع لا بمائة ألف يورو و لا بخمس مائة ألف يورو”.
و يبدو أن حكاية “محجوبة” لن تقف عند هذا الحد، فذيولها ستتجاذبها الصحافة الإسبانية خلال الأيام المقبلة، و تبعاتها ستكون لا محالة سلبية على القضية الوطنية، خصوصا و أن حالات مماثلة لم تعرف بعد طريقها إلى الحل كحالة “الكورية باباد الحافظ (سنتطرق لها في مقل لاحق).
و من محاسن القضية التي أثارها احتجاز “محجوبة محمد حمدي الداف” من طرف عائلتها البيولوجية داخل مخيم العيون، و امتناعها عن السماح لهذه الشابة الصحراوية بالالتحاق بعائلتها الاسبانية بالتبني، هو لفت الانتباه إلى حالة مجموعة من الأطفال تم تبنيهم من طرف عائلات اسبانية، يمكن أن يتحولوا إلى ورقة ضغط من طرف اسبانيا عند بلوغهم سن الرشد في حال ما إذا امتنع أبائهم الحقيقيين عن السماح لهم بالالتحاق بهذه العائلات الاسبانية.
و لقد قمنا مؤخرا بتحقيق ميداني في ظاهرة تبني أطفال اللاجئين الصحراويين من طرف عائلات اسبانية، تأكد لنا من خلاله أن أغلب العائلات الصحراوية ترحب بفكرة تبني بعض من أطفالها من طرف عائلات اسبانية، لما يتيحه ذلك من إمكانيات التعليم الجيد و التطبيب و أمور عديدة أخرى لصالح الأطفال، في غياب ظروف التنشئة الجيدة داخل مخيمات تندوف.
لكن المزيد من البحث و التدقيق أكد أن الأمر لا علاقة له بالتعليم و لا بالتطبيب ما دامت مؤسسات الحليف الجزائري كفيلة بضمانه، و إنما يتعلق الأمر بعملية “بيع” أو مقايضة (طفل مقابل معونة شهرية) للاستفادة من امتيازات مادية تبعث بها العائلات الاسبانية إلى العائلات البيولوجية بمخيمات تندوف مقابل التخلي عن أبنائهم.
و قد تتبعنا في هذا الإطار عمل إحدى جمعيات “التبني” الاسبانية و لاحظنا كيف أن ممثليها داخل مخيمات تندوف، و هما امرأة اسبانية و زوجها الصحراوي، اللذان يقومان باستهداف الأطفال الرضع من أمهات مطلقات أو أرامل، يتم إعداد ملفات خاصة بهم ترسل إلى المكتب الرئيسي في اسبانيا، الذي بدوره يقوم بتوزيع صور الأطفال المعنية بالتبني لأسر، تكون في الغالب بدون أبناء، من أجل التكفل بهم عن طريق إرسال مساعدات عينية إلى أمهاتهم، يتم تحميلها على متن سيارة تنطلق من إسبانيا في اتجاه المخيمات.
عند بلوغ الطفل سن التمدرس، تقوم الجمعية الاسبانية بإدراج اسمه ضمن الأطفال المرغوب فيهم لقضاء عطلة الصيف عند هذه العائلات الاسبانية، التي تبعث لهم بالمساعدة، و ذلك خلال برنامج “عطل السلام“.
بعد استفادة الطفل من هذه العملية، التي تبدو في ظاهرها إنسانية، لمدة سنتين أو ثلاث سنوات، تقوم العائلة الاسبانية في الصيف الموالي بتقديم طلب بضرورة الترخيص للطفل بالمكوث عندها من أجل التمدرس، و هو ما توافق عليه العائلة الصحراوية لأنها بذلك ستتمكن من الاستفادة المادية الشهرية دون أن تكون ملزمة بدفع مصاريف الطفل و متطلباته اليومية.
إلا أنه بعد سنوات قليلة تبدأ العائلة الاسبانية في رفض زيارة الطفل لعائلته بمخيمات تندوف خلال العطل المدرسية، متعللة بأنه يعاني من مرض يستوجب المتابعة المستمرة، أو أن مستواه الدراسي ضعيف و أنه يلزمه دروس خصوصية خلال العطل، أو أنه ملتزم ببرنامج دراسي معين و إلى ذلك من ذرائع هدفها قطع أواصر التواصل المباشر بينه و بين عائلته البيولوجية.
و لا تستطيع العائلات الصحراوية الاحتجاج على سرقة أبنائها لأنهم يكونوا قد تعودوا على ذاك الدعم القادم من اسبانيا، يعوضهم شح الموارد بالمخيمات، و يحدث هذا كله بموافقة قيادة الرابوني التي تعلل عدم التدخل بكون هذه التجارة هي عقد خاص بين العائلات الصحراوية و العائلات الاسبانية.
تحقيق من إعداد: مراسلون من مخيمات العزة و الكرامة
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]