بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
على حافة الخوف تنمو شجيرات الظلم المائلة، و يمكن لابتسامة هادئة أن تخلصنا من كل الخوف و الحزن، لكن ضياع الخوف من القلوب يفقدها الإيمان، و هذا سر غرابة المنطق الذي قسم بيننا ثروة الحزن التي ورثها لنا شهداء القضية، تقسيم لم يكن عادلا أبدا.. فالشعب المؤمن حصل على كل أسباب الكمد و الوجع، فيما القادة حصلوا على خرائط الكنز.
و بعدما جاءنا “بان كي مون”، الأمين العام الأممي طوعا إلى المخيمات و كان الأجدر به أن يطالب قيادتنا بكشف حساب يوضح له أين صرفت أموال المعونات الأممية بعد الكارثة، ثم يطالبهم بتسليمه رؤوس الآثمين في قضية التهريب التي هزت أركان الرابوني و عرت سوءة القضية أمام العالم..
غير أن الأمين العام اكتشفنا أنه يشترك مع قيادتنا في الحمق و عدم الأهلية، و هذا يذكرنا بكلام الروائي “جان مارك روبير”، حين تحدث بارتياح عن الفوضى بقوله ” الحمد لله، لا أحد في مكانه بالضبط … فالإنصاف الدقيق لا يطاق”، فملف القضية يتوزع بين قيادتنا التي لا تتصرف إلا بالتوجيه عن بعد، و بين الأمين العام الذي أبان أكثر من مرة عن عدم أهليته في تدبير الأزمات الصغرى قبل الكبرى.
و بين العدو الماكر الذي يستثمر زلات القيادة ليدفن القضية و ملفها أكثر و أكثر في صدر النسيان.. حيث جاء احتجاجه في وقت دقيق و تصرف صارم و مضبوط المعايير و كأنه سبق في إدراكه أن الأمين العام الأممي سيأتي للمخيمات ليمنحه هدية لم يكن يحلم بها، حيث وظف العدو تلك الكلمات التي نطقها الأمين العام -على قلتها و ضبابيتها- ،كي يحتج بقوة و يلفت انتباه العالم إلى عدم قدرة الأمين العام على الالتزام بالحياد..
و بهذا يكون العدو قد زكى موقفه السابق من المبعوث الأممي “كريستوفر روس”، و أبان عن عيوب قاتلة داخل مكاتب الأمم المتحدة و قد يضطر العالم بأسره لمعاتبة الأمين العام إرضاءا لمشاعر ملايين الشعب المغربي الذي قال العدو أنه غاضب جدا.. و لربما يقع الأسوأ بأن يتحول هذا الملف إلى نقطة سوداء يتفاداها الأمناء الأمميون القادمون حفاظا على سمعتهم الدولية.. و هذا مكر عظيم.
غير أن القياس كان يقتضي من الأمين العام خلال زيارته تلك الالتزام بمظهر “التحكيم الحيادي” و أن يكتم تعاطفه معنا و لا يكشفه إلا خلال تقديمه التقرير النهائي للقضية عند الموعد القادم في شهر أبريل، لكنه بهذا السلوك غير المحسوب العواقب يكون قد عرض التقرير القادم لخطر التصرف في فقراته ارضاءا لغضب المحتل.
نحن نعلم أن قيادتنا لا يمكنها أن تفكر بهذا الالتفافات الدبلوماسية المحترفة لأنها أكبر من أن تستوعبها عقول من ولتهم القضية سواء “ولد لحمير” أو “ولد السالك”، ثم لأن بلغة الحسابات هو أسلوب فارغ من الثروة المادية و لن يذر عليهم الأموال، و كل إضافته أنه سيجلب لهم رضى الشعب، و هنا مربط الفرس.
لقد تحول ملف قضيتنا إلى نار تنجذب إليها “فرشات الليل الغبية” كي تكتوي بلهيبها، و أظن أن “بان كي مون”، سيكون آخر تلك الفراشات التي ستهب نفسها لنيران الملف، و لن يتجرأ أي أمين عام آخر على فعل هذا الأمر، حفاظا على جمالية أجنحته الدبلوماسية، و لو أن قيادتنا إستشارت أصغر موظف أممي لاقترح عليها تجنب المقامرة على شخص الأمين العام و عدم أشراكه في لعبة التصريحات التي لا تضيف للملف غير الدهون الزائدة، و تجعل منظره بشعا و لا يثير شهية الرؤساء الأممين المقبلين و الذين سيرثون على “بان كي مون” ملفات غير ملفنا ستفقدهم نعمة النوم.