بـقـلـم : بن بطوش
و نحن نكتب هذه الأسطر، تكون طرابلس قد هدأت قليلا و خرج أهلها يحصون خسائرهم، بعد ثلاثة أيام و ليالي من القتال العنيف بالأسلحة الثقيلة و الذي خلف أزيد من 159 قتيل حسب المنظمات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة و وكالات الأنباء الأوروبية، و التي تعاين الوضع الكارثي في طرابلس المنكوبة، بعدما تمكنت القوات التابعة لـ “باشاغا” من استغلال ثغرة أمنية و تحقيق الاختراق الذي وصفته المليشيات الموالية لرئيس الحكومة المكلف من البرلمان الليبي بـ “حصان طروادة”.
ما يهمنا أكثر اليوم هو توقيت وصول المعارك إلى قلب طرابلس، و تزامنها مع زيارة “ماكرون” إلى الجزائر التي تواجه الأحداث الدائرة بالقرب من حدودها بالصمت المطلق، و نحن نعلم أن قصر المرادية يجاهر برفضه سيطرة القوات الموالية لـ “باشاغا” على العاصمة الليبية، إذ سبق للرئيس الجزائري أن هدد بالتدخل العسكري في ليبيا إذا ما تمت محاصرة طرابلس، و قال و هو يحلف بأيمانه الغليظة بأن طرابلس خط أحمر …، لكن اليوم طرابلس تعيش الحرب الضروس، و توشك أن تسقط في يد القوات الموالية لـ “باشاغا” المعين من البرلمان الليبي، و الذي لا يعترف به أحد عدى النظام الروسي… !!، لنجد أنفسنا أمام الأسئلة المحرجة و التي تقول لماذا دخلت قوات “باشاغا” طرابلس بالتزامن مع زيارة “ماكرون” إلى الجزائر، رغم كل التحذيرات الجزائرية التي تبين أنها مجرد فقاعات للمزايدات و الاستهلاك الإعلامي…؟، و إذا ما كان الأمر يتعلق بصفقة جزائرية – فرنسية حول الثروات بليبيا بعد خروج ألمانيا من السباق…؟، أم أن الأمر يرتبط بالخوف الجزائري من ردة الفعل الروسية…؟
نترك التساؤلات في الملف الليبي كي نجيب عنه في مقال لاحق، و نعود إلى النيران الإعلامية التي شبت في أسمال النظام التونسي، بعدما استقبل “قيس السعيد” خلال القمة اليابانية الإفريقية الثامنة TICAD-8، نظيره الصحراوي “إبراهيم غالي”، كي نقيّم المبادرة التونسية التي نحمدها و نشكر الأشقاء التونسيين عليها…، لكن وجب منا أن نزن تلك الالتفاتة بميزان الذهب كي نعرف هوامش الربح و الخسارة في صفقتها على المستويات الثلاثة، الدولة الصحراوية و الدولة التونسية و دولة الإحتلال المغربي.
إذ و بعد مرور حوالي أربعة أيام على اندلاع الأزمة التونسية – المغربية، و ابتعاد الجزائر إعلاميا عن السجال، و ترك الشقيقتين في قتال سكاكين دامي، الذي يبدو أن الرباط حسمته مبكرا لصالحها، مع اكتشاف التونسيون أن المحتل المغربي أصبح خبيرا في اقتناص الزلات الدبلوماسية، و على طريقة صراعه مع إسبانيا و ألمانيا، ها هو يكرر الأمر مع الإخوة التونسيين و يحشرهم في الزاوية العربية و الإفريقية، لكن هذا يجعلنا نشهد للدبلوماسية و للنظام في دولة الإحتلال بالكفاءة لتوفرها على المرونة العالية، إذ و بمجرد أن أصدرت دولة تونس بيانها التكذيبي و المستغرب لردة الفعل المغربية المبالغ فيها، حتى ردت الرباط بخرجة إعلامية قوية، مدعوم بنشر دولة اليابان لمذكرة التفاهم التي أحرجت تونس أمام المجتمع الإفريقي و العربي، و الأكثر أنه بعد حوالي يوم واحد من اندلاع الأزمة، نشرت الإدارة الأمريكية أنها ستجمد المساعدات المالية التي كانت مقررة للشعب التونسي و البالغ قيمتها 500 مليون دولار، أي نصف مليار دولار، لتكون خسارة قصر قرطاج كبيرة في ظرف زمني جد محتقن و متأزم إقتصاديا، و يكون الإستقبال الذي خصص لـ “إبراهيم غالي” بمثابة شهادة انضمام تونس الخضراء لمعسكر موسكو، و حلف إيران حسب التصنيف الغربي الأورو-أمريكي.
الأمر لم يتوقف هنا، بل تطور بعدما أعلنت طوكيو أنها لم تستدعي قيادتنا لتمثيل الدولة الصحراوية، و قالت أن سلوك تونس عجل بفشل القمة، و كان “قيس سعيد” قد اجتمع على هامش الدورة مع ممثلي البنوك و الصناديق السيادية اليابانية و حتى الأوروبية، و درس معهم إمكانيات تمكين الخزينة التونسية من قروض طويلة الأمد أو خطوط ائتمانية…، و تحصل على الموافقة المبدئية من البنوك و الصناديق اليابانية، لكن بعد يومين من انعقاد القمة، توصلت الحكومة التونسية بمراسلة من الحكومة اليابانية، تخبر فيها البنك المركزي التونسي أنه إذا أرادت تونس أن تتحصل على القروض من البنوك اليابانية، فعليها أن توقع اتفاقيات مع البنك الدولي، و المعلوم أن البنك الدولي سيطالب “قيس سعيد” بإصلاحات اقتصادية و تشريعية و ديمقراطية… قاسية جدا، مما يعني أن اليابان رفضت تقديم المساعدة المالية لدولة “قيس سعيد” بسبب فشل القمة.
و يبدو أن خسائر الرئيس التونسي ليست اقتصادية فقط، بل سياسية أيضا، بعدما تناسلت البيانات داخل تونس تدين ما أسمتهم تهورا بروتوكوليا زعزع الاستقرار الدبلوماسي التونسي و جعله يميل عن الحياد لصالح الحليف الجزائري، و أجمعت النخبة المفكرة في تونس بأن الرئيس “قيس” قد أجرم في حق العلاقات الأخوية بين الشعوب المغاربية، و أن ما قام به لم يقرب بين الأشقاء المتنافرين بل أضاف إلى جدران الخلاف شقوقا جديدة، ستزيد من تمزيق الصف العربي و ستزيد من رفع مستوى العداوات بين الأنظمة بالمنطقة…، المعارضة التونسية القوية جدا استغلت الفرصة التي أسمتها عثرة الرئيس “قيس سعيد” الدبلوماسية لتتهمه بخلق الأزمات و تقوية الطائفية و الاثنية و التشرذم…، و دعت لربيع تونسي برائحة الياسمين من أجل تبديد حكم الرجل و إنهاء عصره، و الدعوة إلى انتخابات مبكرة تنقد تونس من ما أسموه “دكتاتورية المتنبي”.
المعارضة التونسية اتهمت “قيس” أيضا برهن القرار السيادي التونسي لدولة الجزائر، و قالوا أن ساكن قصر “قرطاج” بعدما باع الحياد الذي ورثه التونسيون منذ حوالي قرن، للنظام الجزائري مقابل وديعة بقيمة 300 مليون دولار، قد تلقى من كبار ضباط الجيش التونسي توصية قبل ساعات من قراره استقبال قائدنا “إبراهيم غالي”، الذي أصبح علامة مسجلة للمصائب، و أنهم نصحوه بعدم المجازفة مع الرباط و استقبال الرئيس الصحراوي، و أن تونس تستفيد من التعاون الأمني مع دولة الإحتلال و أن المعلومات الإستخباراتية المغربية جنبت تونس في أكثر من مرة حمامات دم…، لكن “قيس” كان له منطقه الخاص، و كان يرى في استقبال رئيس الدولة الصحراوية ضجة قد توحد الصف الداخلي التونسي و تجعل الجزائر أكثر سخاءا مع المطالب التونسية المالية، لكن ما حصل أن الرجل تحول إلى فرصة ستشتغل عليها الرباط لأسابيع من أجل إخافة باقي دول الحوض المتوسطي، و الخليج العربي.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك