بـقـلـم : أغيلاس
في واحدة من المستملحات التي تحكى أن فلاحا عمد إلى الفصل بين الثيران و الأبقار في مزرعته بسياج شائك، حفاظا على فحولة الثيران إلى موسم التلاقح، و لكن ثورا اشتد به الهياج و بدأ يبحث عن منفذ إلى الجهة الأخرى، حيث الأبقار المكتنزات يمشين أمامه الهوينة ذهابا و إيابا، و يثرن غريزته حد الجنون، فلجأ الثور الى رفاقه لطلب النصيحة، فأشاروا عليه بطلب النصيحة من ثور متقدم في السن كانوا يلقبونه بـ “الحكيم”، و كان ذلك الثور يظل نهاره جالسا أسفل ظل شجرة بعيدا عن الجميع، فلما وصل عنده أسر له بنواياه، فأفتى عليه “الحكيم” بالابتعاد عن السياج مسافة 10 أمتار و الجري بسرعة كبيرة تكفي لمنحه القدرة على الارتفاع ثم القفز بزاوية 60 درجة…، لكن الثور الهائج توجس الخطر في الخطوة و هو يرى أعلى السياج الشائك حادا جدا و قد يفتك بأسفله، فسأله: “و ماذا سيحدث إن أخطأت الحسابات و لم أنفذ الخطة بالشكل الدقيق ؟؟؟؟”، فأجابه بكل بساطة : “ستصبح محللا إستراتيجيا كبيرا مثلي و تجلس بجواري”.
و ذلك حال العديد من سياسيينا، حيث بفرح عظيم و بغبطة كبيرة تكاد تبلغ عنان السماء، نشر إعلامنا الصحراوي نبأ اختراق القرن الذي قامت به الدبلوماسية الصحراوية بواشنطن، بعدما شارك ممثلنا بواشنطن “مولود سعيد”، في حفل إفطار الدخول السياسي الأمريكي السنوي، و هي المشاركة التي وصفت “رابونيا” بالتاريخية و بالنصر الذي سيغطي مع بداية السنة الميلادية الجديدة، على مرارة الافتتاح المهين للقنصليات بالأراضي المحتلة و مرور الرالي اللعين فوق قلوبنا.
فبدون سابق إنذار و كأنه انفجار إعلامي بالرابوني غطت كل المواقع و الصحف و الحسابات على مواقع التواصل هذه المشاركة الكبيرة، التي اعتبرتها القيادة الصحراوية في أول رد فعل لها رسمي أنها الاختراق الكبير و النصر الباهر، و ذكرني تعليق القادة على الحدث، بمواقف الجماهير العربية التي تصرح للميكروفون و الدموع في عينيها كلما هم “مو صلاح” بتسجيل لهدف في شباك حارس عملاق يلعب لفريق عملاق…، فترى تلك الجماهير تصنف الهدف ضمن الإنجازات القومية العربية للعشر سنوات قادمة.
لم يتوقف إنجازنا القومي الصحراوي عند الافطار، إذ تمكنت دبلوماسيتنا من المشاركة في حفل العشاء خلال نفس اليوم، و جلس ممثل الدولة الصحراوية ندا لكبار الدبلوماسيين و قادة الدول على مائدة واحدة مع أقرانه و بين الفينة و الأخرى يسترق النظر إلى كبير أمريكا “ترامب” ليجيب عن سؤال الشك في نفسه، هل فعلا أنا موجود هنا…؟
لم يتوقع أكبر المتفائلين من قضيتنا أن ممثلنا “مولود سعيد” سيقع عليه الاختيار و سيتقدم نيابة عن كبار إفريقيا ليلقي كلمة باسم كل دولها و يتحدث للعالم عما تعانيه و ما تأمله القارة الحزينة من إدارة العم “ترامب” لتعالج نكباتها و فقرها و يأس شعوبها…، و لأن الحدث لا يتكرر دوما و ليس مباحا لنا مثل هذا الحضور في كل مرة، فقد فضل ممثلنا أن يخفي أوراق إفريقيا و أن يخرج الورقة التي كتبتها له القيادة بالرابوني، و أن يكشف مأساة القضية الصحراوية أمام الحاضرين و ينغص عليهم عشائهم، و هو يذكرهم بتقاعسهم و تخاذلهم و قلة فهمهم للقضية و لمصالح و مطالب الشعب الصحراوي، فكان لممثلنا ما أراد و أنصت البعض لكلامه فيما فضل البعض التساؤل عن أي قضية يتحدث و هل يوجد شعب عربي آخر لاجئ غير السوريين و اليمنيين و اللبيين و العراقيين و السودانيين؟
المصيبة أن القيادة تروج للحدث على أنه نهاية مسار، و أنها بهذا الاختراق تمكنت من تأدية مهامها، و أن لا أحد له الحق في أن يطالبها بأكثر من ذلك، فهي اخترقت عرين الأسد و جالسته في خلوته وجها إلى وجه، و هل هناك أكثر هذا لجعل المحتل المغربي يحزن و يصاب بالغبن في إنجازاته، و هذا يدل أن حجم أحلامنا و طموحنا صار شديد الصغر و التقزيم لدرجة أن أبعد أمانينا أصبحت أن نشارك في وليمة أمريكية، و أن نقرأ ورقة على منتظم دولي يفكر كهنتاتة البيت الأصفر، مع العلم أن “الهنتاتة” هناك محترفون جدا و لا يمدون أيديهم لمقدرات شعوبهم بل لمقدرات شعوب استهانوا بأوطانهم فأهانوها.
و الواقع أن الصحافة بالرابوني أخفت عن الشعب الصحراوي الواقع الذي أدى لصنع ذلك الاختراق، و المتمثل في محاولة إرغام المحتل المغربي على التوقيع و القبول بصفقة القرن، أي أن تقديم ممثل الدولة الصحراوية للحديث نيابة عن الأفارقة و السماح له بإثارة القضية يدخل ضمن بروتوكول العشاء الذي فرضه اللوبي الضاغط لصالح “تل أبيب” و أن قضيتنا في ذلك المحفل كانت مجرد ورقة لعبتها اللوبيات ضد المغرب و كان أمام قيادتنا فرصة للترافع على تحويل قضيتنا لمجرد ورقة ضغط، و عدم لعب أي دور يضر بمصالح الدول العربية التي لم تساند صفقة القرن.
هذا الشق المهين من وجبتي الإفطار و العشاء الذي روجت لها الصحافة بالرابوني من غير أخلاق و لا حياء كإنجاز عظيم، نزل كالعلقم في بطن القضية الصحراوية و المصيبة أن القيادة أصبحت لها طموحات بأن تطعم الشعب الصحراوي مواقفا تدخل في باب الحرام شرعا، بعدما أصبح من الصعب عليها التفريق بين الحرام و الحلال السياسي…، و أقول أنها مواقف محرمة بناءا على ما جاء في الإعلام حين إتهم المحتل أنه يقوم بمقايضة بين القضية و القدس، و الواقع كشف أن الذي يبيع و يقايض في الظلام هم قيادتنا، فمن ورطنا في هذا كله ؟
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك