بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
كلنا يعلم قصة الجندي الأمريكي “ريان” الذي أخرجت أمريكا أسطولا كاملا للبحث عنه رغم جنون الحرب العالمية الثانية، كي يرجعوه إلى والدته التي فقدت ثلاثة من إخوته خلال الحرب، أسطول كامل يبحر خارج أمريكا من أجل جندي.. سيقول القارئ إنها أمريكا الإمبراطورية الحربية.. فأجيب : أنا لا أحدثكم عن القوة و لا عن العدة و العتاد، بل عن الإنسانية و خدمة الإنسان، أتحدث عن قيمة الفرد، أتحدث عن الدولة، عن القضية، عن الراعي، و عن الإحساس بالوطن و الانتماء..، لأن “عمار عناي” لم يقتله جيش العدو و لم يستشهد في غارة، و لا حوصر في كمين، “عمار عناي” قتله الإهمال فأسلم الروح لبارئها و دمعة الهوان في عينيه، ما قهرنا و أوجع الوطنية في قلوبنا أن وفاته وهو المقاتل لم تحزن البيت الأصفر.
رحل “عمار” و ترك لنا كما من الأسئلة حول من يمتلك الجرأة بين القيادة ليحدثنا عن حب الوطن ؟ … و كيف يمكن لأي خطيب من البيت الأصفر أن يقنع أصغر فرد في أسرة شهيد الإهمال بأن يحب القضية و أن يردد هتافات النضال؟… و ماذا سيخبرون والدته كي تطفئ نارها؟..، و ماذا سيفعلون ليجددوا إيمان الجنود بالقضية و يجعلون لهم سببا يحملون لأجله السلاح للدفاع عن القضية و الوطن؟ و هم الذين رؤوا رفيقهم في السلاح مرميا في مستوصف عاري من كل شيء إلا من الجداران، مشفى لو خصصوا حجراته لتربيت الأرانب لكانت فائدته على القضية أكبر.
ثم أن حقيقة إرسال سيارة الإسعاف لتحصيل “الترفاس” و التنقيب بدت لي لمسة مثيرة للإعجاب، فصاحب القرار قدم للإنسانية نموذجا يصعب العثور عليه كي يساغ منه مثل في “التهنتيت” و التسيب و الاستهتار و غياب الرقابة.. و كل شيء قبيح..، أن تقرر إرسال سيارة إسعاف لخدمة الفلاحة و موسم الجني و هي مخصصة لقطاع الصحة و لنقل الحالات المستعجلة، دون الخوف من العقاب أو دون أن تتحرك في نفسك مشاعر اللوم و العتاب..، و من غير أن تعير أرواح البشر أدنى قيمة، فهذا أمر يفوق قدراتي العقلية، و يصعب على مثلي أن يجد له تحليل منطقي أو يضعه في سياق صحفي معين، لأن وفاة “عمار” لو كانت بسبب مرض نادر أو نقص في دواء مركب صعب الصيغة الكميائية، أو كانت وفاته لافتقار القيادة للتكنولوجيا اللازمة..، لما تحسرنا على الفاجعة، لكن أن يكون السبب هو الإهمال و جشع و أنانية بعض القادة، فالأمر سيتحول إلى نقاش شعبي و قضية رأي عام صحراوي، لأنها جريمة قتل في حق الوطن.
فجيش لا يستطيع إسعاف جندي واحد من آلام المعدة نتيجة عارض صحي، و قادته يعشقون جمع المال كجمعهم لفطر “الترفاس” و قيادته لا تقدر على تحريك أصبعها لتأنيب القاتل المهمل، لا أظنه يستطيع أن يصمد في حرب حقيقية لدقائق ضد عدو متمرس و له جيش نظامي، لأن جنودهم يعرفون بأن خلفهم دعما حقيقيا و أسطولا من العتاد، فيما مقاتلون يعرفون أن كل ما يملكونه اليوم هو انتظار الراتب الهزيل الذي قد يصرف في وقته او لا يصرف، و أسرته الفقيرة التي تنتظر عودته.
كادت قضية “عمار” تنسيني ما فعله الجيش الجزائري الذي صوب رصاصه الى مواطن آخر من المخيمات يدعى “ليمام الغزواني امبيريك”، و كأنهم يقنصون غزالا في شعاب الصحراء، ثم إطلاق النار عليه دون رحمة إلى أن ظهر بمستشفى الرابوني و قد فارق الحياة متأثرا بجراحه.. فحتى و إن كان مهربا فلا يبرر هذا القتل و بتلك البشاعة، لأن العالم تحكمه القوانين و طريقة تعامل أفراد الجيش الجزائري مع المواطن الصحراوي كانت دائما تحمل الكثير من الغل و العنصرية، و فيها إشارات كبيرة عن تصفية حسابات لا أريد ذكرها حفاظا على خيوط الود التي جمعتنا بالنظام الجزائري لسنوات.
فلو أن جيش المحتل المغربي هو من وجه بنادقه إلى الراحل “ليمام”، لقامت قيامة القيادة و لم تقعد، و لأخبر بالحدث الأمين العام الأممي و حقوقيو العالم و لتم توجيه الدعوة إلى “هيومن رايتس ووتش”، و رئاسة الإتحاد الإفريقي و الإتحاد الأوروبي و “الفيفا” و “الفاو” و أصدقاء بلا حدود، و رابطة مشجعي برشلونة و مدريد، و المشاركين في قمة الاحتباس الحراري، و لكتب صحافتنا آلاف المعلقات و المرثيات.. و لكن لأن القاتل من الجيش الجزائري، فالأمر بمنطق القيادة هو نوع من العدالة.
على القيادة أن تعلم بأن “عمار” و “ليمام” سيشكوان لربهما ظلمها لهما، و أن أسرتيهما لن تكفا عن الدعاء على القيادة …، و لأن الأمر أصبح بين يدي رب العباد، فكلما أستطيعه هو تذكير القيادة كيف انتهت قصة الجندي الأمريكي “ريان”، حين أعادوه لوالدته حيا يرزق.. فوالدته لم تدعوا على أمريكا، و لم تقاضي رئيسها، لأنها علمت بأن الأسطول الذي خرج لإحضاره فقد عشرات الأفراد قبل الوصول إليه، أدوا واجبهم للوفاء بالعهد، و الدرس هنا ليس في الخسائر، بل في العبرة، لأننا إذا لم نستطع أن نكون مثل أمريكا في الجيش و الاقتصاد و ..، فعلى الأقل لنكون مثلها في الإنسانية، حتى تستحق قضيتنا أن يضحي لأجلها المقاتلون و الثوريون و المناضلون.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك