Sahra Wikileaks Center
الصحراء ويكليكس يعمل على النهوض بالفعل الحقوقي بالمنطقة وذلك بإزالة كل شائبة عنه

“سيدي”…، قصة رجل عظيم لم تنصفه الحياة!

       علاقة بقضية الشابة الصحراوية “محجوبة محمد حمدي الداف”، ارتأينا أن ننشر مقالا للمتعاطفة الإسبانية”أنخيلا كاريو ألفاريث”، متداولا بكثرة على صفحات”لفايسبوك”، هو عبارة عن قصة إنسانية مؤلمة لأب صحراوي من اللاجئين ترك ابنته لإحدى العائلات الإسبانية بعد مشاركتها في “عطل السلام” فكانت النتيجة أن أضاع ابنته رغم محاولته استعادتها:

       منذ حوالي 18 سنة تعرفت على شخص لم أنساه و أتمنى أن لا أنساه أبدا، كان ذلك فجر أحد الأيام في مطار مدينة “إلتشي” (أليكانتي)، في إحدى تلك الليالي الطويلة التي كنا ننتظر فيها استقبال الأطفال الصحراويين ، في ذلك الوقت كان ما يقارب 50 طفلا يقضون الصيف في “إلتشي”، و كان ذلك يقتضي أن يرافق الأطفال بعض البالغين يأتون كمشرفين.

      في المطار رأينا المشرفين ينزلون تباعا إلا أن واحدا منهم كان يلفت الانتباه ، كان رجلا طويلا كانت قامته تتجاوز المترين و ذو نظرات ثاقبة، من خلال سماته كانت أثار الظلم و القسوة بادية على محياه ، كانت ملامحه العربية بالإضافة قامته الطويلة و شاربه الكثيف كلها أسباب كافية لكي لا يمر “سيدي” هكذا كغيره من دون أن يتمعن فيه الجميع بتركيز.

     بعد أن تم الانتهاء من توزيع الأطفال على عائلاتهم كل حسب جهته، كان “سيدي” من بين المشرفين الذين تم تعيينهم للبقاء في “إلتشي” ، الجميع متعب بعد يوم شاق و ليلة لم يغمض لنا فيها جفن، اقترب “سيدي” مني و سألني: ”هل أنت هي من يتولى زمام الأمور هنا؟”، أجبته أن ذلك يبقى حسب المجال الذي يسأل عنه! علي أن أعترف أنني في البداية اعتقدت أن هذا الرجل سوف يعكر علينا الصائفة! قال لي: ”لقد أتيت هنا من أجل غرض وحيد… أتيت من أجل رؤية ابنتي التي لم أرها منذ 7 سنوات”

     سألته: ” و أين هي ابنتك” أجاب أنها في “غرناطة” و أنها اضطرت للبقاء مع عائلة إسبانية بسبب مرض كانت تعاني منه، قال بلهف : ”إني أشتاق إلى رؤية ابنتي “السنَية” من جديد!” .

      بعدها ذهب المشرفون إلى الدار التي كنا قد قمنا بتحضيرها خصيصا لهم، و ذهبنا نحن بدورنا لأخذ قسط من الراحة، في اليوم الموالي ذهبت لزيارتهم و الاطمئنان على حالهم و التأكد مما إذا كان ينقصهم شيء، الشيء الوحيد الذي كان ينقص “سيدي” هو رؤية فلذة كبده، بدأت أتمعن و أرى أن خلف ذلك الرجل القوي و المقاتل الشهم.. كان هنالك أب يشتاق و يحن إلى رؤية ابنته، و أن ذلك الأب الطويل لن يرتاح حتى يتمكن من احتضانها.

      كنت دائما ما أحبذ حل المشاكل في أسرع وقت ممكن لذلك أخذت زمام الأمور وبدأت العمل للبحث عن الحل الأنسب، قمت باستخدام الهاتف الذي عادة ما نضعه تحت خدمة المشرفين، قمنا بالاتصال بالعائلة التي تحتضن “السنية”، كانت السيدة تدعى “كيكا”، لم يكن “سيدي” يجيد الحديث بالإسبانية إلا أنه كان يفهم كل ما يسمع، لذلك فقد كنت ألعب دور الوسيط في المكالمات مع عائلة ابنته و لذلك كان يتوقف علي القيام بالترجمة و لكن كذلك بالوساطة من أجل الوصول إلى حل للقضية.

     عندما قمنا بالاتصال بالعائلة لمست عداءا و كراهية ، أخبرونا أنه يمكن للبنت أن تتحدث مع والدها في الهاتف إلا أن إمكانية أن يلتقيا أمر مستحيل، كانت الحجة أنه على “السنية” مواصلة عملية العلاج و أن لديها العديد من المواعيد الطبية إضافة إلى أنه لدينا حفل زفاف و هي من سيقوم بحمل “خواتم العريسين” إلى غير ذلك من الالتزامات التي بحسبهم تحول دون أن تلتقي “السنية” بوالدها.

      كان هدف “سيدي” الأول و سبب مجيئه هو أن يتمكن من معانقة ابنته، و كانت الأيام و الأسابيع تمضي دون أن يتمكن من ذلك، كان يريد معرفة حالها و هل هي سعيدة أم لا هل تعتني بها العائلة أم لا، ثم يرجع بعد ذلك مع أنه متأكد أنه قد تمضي 7 سنوات أخرى أو أكثر دون أن يتمكن من رؤيتها.

      بعد مرور شهر كامل من المماطلات و الأعذار الواهية، تحدثت إلى “سيدي” و أخبرته أنني أرى من الصعب جدا أن تقبل العائلة بلقائك بابنتك. فكر “سيدي” في الأمر ثم طلب منا أن نرافقه إلى المدينة التي تتواجد بها ابنته ، عندها لم يعد “سيدي” يكتفي بلقاء ابنته و احتضانها فحسب، بل أصبح يطمح في أن تقضي معه الفترة المتبقية من عطلته (حوالي 4 أسابيع)، و هذا بالفعل ما أخبرنا به العائلة التي تتواجد معها “السنية” و التي عبرت عن رفضها القاطع للأمر، كان “سيدي” عازما على تنفيذ ما يريد… حتى أنه قام بحلق شاربه و شراء سروال “جينز” لكي يبدو في عين ابنته أكثر شبابا، لا زلت أتذكره فتفيض عيناي من الدمع!!.

       كان “سيدي” يحاول التعامل بلطف بالرغم أنه كان يتعامل مع من أصبح يعد نفسه “مالكا” لابنته العزيزة “السنية” ، كانت العائلة بصدد الرفض، أخبرتهم بأن الأمر لا يستدعي كل هذا التعقيد، و أنه يتعلق بأب يريد أن يرى ابنته بجانبه لمدة أسابيع، و أنهم إذا لم يتفهموا الأمر بهذه الطريقة فإننا سنتصل بالحرس المدني لكي يتدخلوا لحل المشكل… عندها فقط تحول سلوك العائلة، قامت بتحضير حقيبة ملأتها ببعض احتياجات الطفلة، ثم قمنا بعدها بالعودة إلى ” إلتشي” و بصحبتنا الصغيرة “السنية”.

     أربعة أسابيع فقط هي الفترة التي سيقضيها “سيدي” مع ابنته، لم تشأ “السنية” معانقة والدها بالرغم من كل الجهودات التي قمنا بها لإقناعها أنه جاء لإسبانيا لهذا الغرض وحده، كان “سيدي” هادئا طوال الوقت و كانت الابتسامة لا تفارق محياه ، كان يطلب منا أن لا نضايق الصغيرة …

    كانت الأيام و الأسابيع تمضي، إلأ أن التقارب كان يبدو مستحيلا، كانت “السنية” تعاتب أبوها لعدم إتقانه للغة الإسبانية ، تقول له أنها درست كثيرا و لم يعد بإمكانها تعلم العربية ، و أنها تحب الفنان “ريكي مارتين”، كما أنها لا تحب العرب….إلخ، لقد حولوا الصغيرة “السنية” إلى إنسان بلا قيمة.

     قمنا بإجراء جميع الفحوصات الطبية لـ “السنية”، و كانت النتيجة أنها سليمة و معافاة و لا تعاني من أي مرض، كان كل شيء عبارة عن كذب و تلفيق، لقد قامت تلك العائلة بتركيب كل شيء من أجل أن تبقي على الطفلة معها، عندها قرر “سيدي” أن يعود بابنته إلى المخيمات و أخبرنا أنه لا يريد أن يخسر ابنته بتركها في مجتمع يعرفه جيدا.

      قال لي: ” أنا لا أملك شي أنخيلا! لا شيء!… فقط لدي عائلتي و أبنائي و مستعد لأقدم حياتي من أجلهم. فقط أريد لهم الأفضل ، يمكن أن أتركهم في إسبانيا إذا كان ذلك من أجل صحتهم أو مستقبلهم، و لكن يجب أن لا ننسى أصلنا و جذورنا، ،إذا أنت نسيت من تكون و من أين أتيت فلا شيء يمكن أن يعوض ذلك! ، تحدثنا مع العائلة و بالرغم من إصرارها على أن لا تذهب السنية إلا أن الأمر انتهى بالصغيرة ترافق والدها إلى المخيمات.

     التقيت بـ “سيدي” بعدها مرات عديدة في المخيمات، تعلمت “السنية” لغتها و عاشت في أحضان عائلتها لأكثر من ستة سنوات ، و بعد أن كبرت و تجاوزت سن البلوغ طلبت من والدها أن يأذن لها بالذهاب لزيارة عائلتها الإسبانية، وافق الأب اعتقادا منه أن كل من “السنية” و العائلة في إسبانيا قد قبلوا بالواقع.

     في شهر نوفمبر الماضي عندما كنا في “مظاهرات مدريد” تفاجأت بصوت خلفي ينادي “أنخيلا”… “أنخيلا”، كان ذلك صوت “سيدي”! و لكم أن تتصورا كم كانت فرحتي كبيرة بلقائه!! سألته عن ابنته “السنية”، فأجابني أنه لا يعرف أي شيء عنها “ذهبت إلى المدينة التي تسكن فيها مع العائلة الاسبانية في “غرناطة” إلا أنهم منعوني من رؤيتها” .. أخبروني أنها أصبحت امرأة بالغة و إذا واصلت في الإصرار على رؤيتها سنكون نحن من سيتصل هذه المرة بالحرس المدني!

  لدى السنية الآن حوالي 30 سنة و لا نعرف أي تفاصيل عن حياتها، “أنخيلا” لا أعرف ما إذا كانت حية أم ميتة ، هل لديها أبناء… هل درست.. لا شيء على الإطلاق!! ”

    طلب مني أن أساعده و أنه يريد أن يعرف ماذا حل بابنته، و أنه يريد الحديث معها و لو هاتفيا… كم صعبة و غير منصفة هي الحياة أحيانا!!!

 

                                           بقلم: أنخيلا كاريو ألفاريث

                                                                             ترجمة: المحفوظ محمد لمين بشري

 

 

لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد