بقلم : الغضنفر
ما يقع منذ أيام بدولة زيمبابوي جدير بالمتابعة من طرفنا كشعب صحراوي، فالرئيس “روبرت موغابي” يعتبر ابرز رؤساء إفريقيا مجاهرة بعدائه للمحتل المغربي و بلاده تعتبر من حلفاء جمهوريتنا منذ عشرات السنين و من الدول القلائل التي عارضت انضمام المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، لذلك أرى أنه من واجبي الإعلامي تسليط الضوء على جوانب من حياة هذا الرئيس الزيمبابوي المثير للجدل و على أزمته الحالية و سأحاول استقراء التبعات المحتملة لغيابه من الساحة السياسية على قضيتنا الوطنية.
فكل التقارير الصحفية تقول بأن الجيش الزيمبابوي احكم سيطرته على مقاليد السلطة، وأن الرئيس العجوز (93 سنة) أصبح اليوم تحت الإقامة الجبرية، و المفارقة العجيبة أن الرئيس “موغابي” يحكم البلاد من قبل أن يولد أغلب الضباط والجنود الذين قادوا الانقلاب، فعمره اكبر من عمر دولة زيمبابوي نفسها، و قد كان زعيم استقلالها و كتب له ان يشهد انهيارها بسبب أسلوب حكمه الديكتاتوري و طمع زوجته التي تصغره بأربعين سنة في تقلد منصبه بعد وفاته.
“موغابي” رغم عدائه للمحتل المغربي و رغم دعمه للقضية الصحراوية إلا أنه لم يقدم شيئا ملموسا يعبر عن هذا الدعم، لسبب بسيط و هو أن “فاقد الشيء لا يعطيه”، فالرجل لم يكن يحظى بالاحترام على المستوى الدولي، نظرا لمزاجيته و حماقاته خصوصا خلال مشاركته في المحافل العالمية، فهو إما نائم أو ثمل (كما حدث خلال مشاركته في “الكوب 22”بمراكش) ، و نظرا كذلك لأسلوبه غير الديمقراطي في إدارة البلاد، و هو ما جعل اقتصاد زيمبابوي من اضعف اقتصاديات القارة الإفريقية، لدرجة أن عملة البلاد و هي الدولار الزيمبابوي لا قيمة لها في أسواق الصرف، حيث وصل سعر السنت الأمريكي الواحد (الدولار = 100 سنت) إلى 500 مليار دولار زيمبابوي (اي ان دولارا واحدا امريكيا يساوي 50 بليون دولار زيمبابوي بمعنى ان شاحنة مليئة بالدولار الزيمبابوي قيمتها 10 دراهم مغربية).
لذلك اعتقد أن علاقة القيادة الصحراوية بـ “موغابي” تشبه كثيرا حالة “المستجير من الرمضاء بالنار”، و ما يقع اليوم بدولة زيمبابوي كيفما كانت نتائجه تصب في صالح المحتل المغربي الذي سينتهز الفرصة لتوسيع تغلغله الاقتصادي بالقارة، ما لم تتحرك دولة جنوب إفريقيا، لاحتواء الوضع بهذا البلد و ضمان استمرار هذا الحلف المناوئ للمحتل.
فقد ازداد “موغابي” سنة 1924 لأب يعمل نجارًا وأم تُدرس الدين المسيحي لأبناء قريته، كان ميالا للعزلة والانطواء، ويفضل القراءة منفردا بعيدا عن التفاعل مع أقرانه أو مشاركتهم اللعب، مما جعله مثارًا لسخريتهم حتى انه كان يوُصف بـ “ابن أمه” . سافر إلى جنوب أفريقيا لاستكمال دراسة و هناك تعرف على المذهب الشيوعي و مبادئ الماركسية و عندما عاد إلى بلاده التي كانت تُسمّى حينها “روديسيا الجنوبية” غير المعترف بها دوليا، انخرط في العمل السياسي معارضا لحُكم الأقلية البيضاء للبلاد التي كانت تشكل 1% من سكان البلد، و هي المعارضة التي كلفته 10 سنوات من السجن بدءًا من سنة 1964.
عند خروجه من السجن سنة 1974 التحق بدولة الموزمبيق المجاورة، ومنها قاد حرب عصابات ضد نظام روديسيا العنصري، ليصبح فيما بعد زعيم حزب” الاتحاد الوطني الأفريقي”، و يُشارك في انتخابات مارس 1980 التي حصد فيها حزبه أغلبية المقاعد، ليُعين رئيسًا للوزراء.
ورُغم أن منصب رئاسة الجمهورية كان يتقلده “كنعان سوديندو” صديقه ورفيق نضاله، إلا أن “موغابي” كان المتحكم الفعلي في مقاليد الحكم ببلده و بعد وفاة الرئيس سنة 1987، آلت رئاسة البلاد لـ “موغابي” ليقرر الغاء منصب رئيس الوزراء حتى لا يزاحمه احد في السلطة و يجمع كل السلط بيده بما فيها قيادة الجيش، و قد قاد حملة تطهير عرقي ضد العنصر الأبيض و كذلك ضد السود المنحدرين من قبائل “إنديبيلي”، حيث أسس “اللواء الخامس” بدعم من نظام كوريا الشمالية، وجعل الانضمام لهذا اللواء حكرا على السود المنحدرين من قبائل “الشونا” (ابناء قبيلته)، حيث قاموا بمجازر ضد المنتمين لـ “إنديبيلي” وصلت الى 20 ألف قتيل.
إلى جانب الوحشية المفرطة التي اتبعها “موغابي” اسلوبا للبقاء في السلطة، لا تخلو فترة حكمه الطويلة من “الكوميديا السوداء”، تلك المآسي التي تجعل الإنسان يضحك من فرط مأساويتها وطرافتها في الوقت ذاته. ففي سنة 2000، كان “موغابي” بطلًا لحادث طريف، حين قرر بنك تعود ملكيته جزئيًا للدولة إعطاء جائزة قيمتها 100 الف دولار، عبر قرعة بين مواطني زيمبابوي الذين تزيد حساباتهم المصرفية على خمسة آلاف دولار، وحين تم سحب الورقة الفائزة كان اسم “روبرت موغابي” لأن كل الأوراق في الصندوق تحمل اسم “موغابي” ولا أحد غيره.
كما أن تصريحات “موغابي ” وتعليقاته لا تمر دون إثارة الجدل، فقد سبق له أن قال أنه يفكر في طلب الزواج من الرئيس الامريكي “أوباما” كنوع من السخرية على قرار المحكمة العليا الأمريكية بالسماح بزواج المثليين، كما وعد ساخرًا بإطلاق سراح رجلين مثليين مسجونان بزيمبابوي بعد أن يتمكن أحدهما من الإنجاب من الآخر، كما رفض في 2015 الإدلاء بتصريحات لصحافيين لأنهم بيض اللون، قائلًا: “لا أريد رؤية رجل أبيض”، والمفارقة أن هذه الحادثة وقعت في مدينة سويتو بجنوب أفريقيا، معقل النضال ضد الميز العنصري، كما انتقد معارضيه بعد فوزه في الانتخابات للمرة السادسة مخاطبا إياهم “يمكنكم أن تذهبوا وتشنقوا أنفسكم”.
بعد وفاة زوجته الأولى، تزوج “موغابي” سنة 1996 من فتاة تصغره بأربعين سنة تسمى “غريس”، على قدر من الجمال ، تنحدر من أسرة فقيرة، كانت تعمل في وحدة الطباعة التابعة لرئاسة الجمهورية، و هنا سيصبح “موغابي” مجرد خاتم في يد زوجته الشابة تفعل به ما تشاء حيث كانت تسافر كثيرا للتسوق في الخارج و تنفق ببذخ غير عابئة باقتصاد بلادها المنهار، و اصبحت تملك مزارع وشركات تعدين.
و مع تقدم سن “موغابي” بدأت طموحات “غريس” السياسية تتكشف شيئًا فشيئًا حيث قالت يوما أن زوجها سيواصل حكم البلاد من قبره، لتلمح إلى نفسها كوريثة لمنصبه و أصبحت منذ سنة 2014 رئيسة المكتب السياسي بالحزب الحاكم.
طموح “غريس” الجامح، وسعيها للإطاحة بنائب الرئيس “منانغاغوا”، الرجل القوي في البلاد وأبرز المرشحين لخلافة “موغابي”، والمدعوم من طرف الجيش، جعلت الدبابات العسكرية تتحرك للسيطرة على العاصمة، معلنة استهداف “مجرمين” محيطين بالرئيس، في إشارة واضحة إلى زوجته والمقربين منها، لتنهي بذلك تلك المرأة حياة زوجها السياسية.