بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
لعمري ما كنت أظن أن يبلغ بنا الهون هذا المدى، و ما كنت قبل ذلك الخطاب لأشك في سلامة عقل القيادة، لكن حدث الأمر عندما قرر أخيرا الأخ الرئيس أن يخطب فينا، متأخرا بحوالي الشهرين على سكان الأرض، حين صنفت منظمة الصحة العالمية هذا الوباء كجائحة كونية لا تستثني أمة و لا قبيلة…، و بعد أسابيع دراماتيكية من الدموع في أوروبا، و أسابيع من القتال في غرف الإنعاش لإنقاذ الأرواح التي قضى عليها الفيروس، و بعد أسابيع من السباق في المختبرات مع الزمن لتحضر الأسلحة البيولوجية لإنقاذ سلالة بني آدم من الانقراض…، بعد أسابيع مرت كأنها سنوات من الهلع و الذعر، فرضت لوائح و إجراءات على حكومات دول العالم لمساعدة الشعوب على الصمود…، بعد كل هذا يخرج علينا الأخ الرئيس “ابراهيم غالي”، ليخبرنا أن هناك وباءا يهددنا و أننا في حاجة ماسة للبقاء في البيوت و أن لا مساعدات من الدولة للمواطن فقط نصائح بالصبر و التحمل… و بعد هذا الخطاب التاريخي يمكننا الجزم بأن الموت واحد، فإن لم تقتلنا كورونا قتلنا “الهنتاتة” عطشا و جوعا و اهمالا…، و هذه فضيحة أخرى تنضاف الى الأسرة السبعة (7) التي جهزتها الدولة الصحراوية دون أجهزة إنعاش لمواجهة الوباء ميدانيا.
لا أريد أن أكون الأخ الأكبر للرئيس، و أن أذكره بأبجديات الخطابات الرسمية الموجهة للشعب، و بأنها إذاعتها على القناة الرسمية للدولة الصحراوية يستعدي بروتوكولا معينا، كأن يحدث أمر جلل بالمخيمات، أو أن تصاب القضية بنكسة عظيمة، و سبق أن حصلت عدة مرات، آخرها ما وقع بمجلس الأمن خلال الجلسة الطارئة، و لم يهمس لنا الأخ القائد بشيء، أو أن يقرر توجيه خطابا للإعلان عن حزمة إجراءات مستعجلة كي يبث الطمأنينة في نفس المواطن، و يبلغه أن الدولة ستعمل المستحيل كي تحفظ له العيش الكريم، و أن الدولة الصحراوية ليست أقل شأنا من دول إفريقيا، كغينيا و مالي و موريتانيا و كينيا… الدول الفقيرة التي رفعت التحدي و قررت مساعدة شعوبها.
حصل الخطاب و سمعنا فحواه، و لا يسعنا غير وضع قراءة له، بعدما أذيع على القناة الرسمية للدولة الصحراوية، حيث بدا القائد مختلفا جدا بعدما فقد الكثير من شعره…، كان منهكا و طاعنا في السن، و لا يشبه ذلك الرجل الذي تم تتويجه صيف 2016 عريسا على عرش الدولة الصحراوية و قائدا للتنظيم السياسي للجبهة، حيث كان كثير التبسم و يتحدث بلغة قوية و لا يتوقف عن توزيع الوعود، و وكان حماسه يدفعه ليقطع مئات الكيلومترات من أجل صورة سيلفي على شاطئ لكويرة رفقة بعض المقاتلين ليخبرنا بفرح أنه يستطيع فعل ما عجز عنه سلفه…، ما الذي حصل في الأربع سنوات من الحكم؟، ليصبح الأخ الرئيس هكذا مرهقا و بدون روح و لا عزيمة، كعروس شاخت فجأة بعدما مسحت أحمر الشفاه و أزالت الرموش الصناعية و تخلصت من حمالات السليكون.
بث التلفزيون الصحراوي خطابه و ظهر جالسا في مكتبه ببزته العسكرية في تقليد بشع لديكتاتوريات القرن الماضي، و على يساره علم الدولة الصحراوية، و على يمينه علم الإتحاد الإفريقي الذي جعل الشعب يتساءل عن سر وجود العلم الأخير في الصورة و عن يمين الرئيس الخطيب في خطاب موجه للشعب الصحراوي، و ليس للأمم المتحدة، فهل يستقوي الأخ الرئيس بالإتحاد الإفريقي على اللاجئين؟ !!!، أم كان يريد أن يخبرنا بأن شعوب دول الماما أفريكا، إن صادفوا خطاب فخامته فهم معنيون أيضا بما سيقول؟ !!!… أم هي حركة صبيانية من مسؤولي البروتوكول ليؤثثوا صورة الرئيس و مكتب فخامته ؟ !!!…
كان القياس يقتضي أن يتناسب الخطاب و الظرفية الوبائية التي تفتك بالعالم، و أن يكشف فيه الأخ القائد كل الإجراءات الممكنة، و أن يعلن عن رصده مقدرات الدولة لخدمة المواطن، و فتح صندوق تضامن و يرغم “الهنتاتة” و تجار المخدرات و مهربي الكزوار، و محتكري التجارة، على فتح خزائنهم و ملئ الصندوق، و أن يتقدم الأخ الرئيس أمام كل القادة و يعلن تخليه عن راتبه للأشهر الثلاث القادمة لصالح الصندوق وكذلك بالنسبة للدبلوماسيين الذين يتقاضون رواتب شهرية سمينة دون أن يفعلوا شيئا للقضية الوطنية…، و أن يمتلك الأخ الرئيس القوة و الشجاعة ليضغط على صقور البيت الأصفر ليتنازلوا عن رواتبهم كذلك أو جزء منها، مثلما ضغط على أسرة “أحمد الخليل أبريه” و “التدراريين” كي يتنازلوا عن مطالبهم.
انتظرنا منه أن يكون فعلا زعيما حقيقيا في هذه الأزمة و أن ينادي في المناضلين بالأراضي المحتلة ممن تاجروا بمآسي الشعب الصحراوي لقطف الجوائز و كنز الأظرفة السمينة، و يفرض عليهم المبادرة لإنقاذ الشعب، و لا داعي لأرفع لائحة بأسماء المناضلين إلى القارئ الكريم لأكشف أرصدتهم واحدا تلوى الآخر، و كنا نتمنى أن نرى الأخ القائد و هو يوزع مذكرة على دبلوماسيي الدولة الصحراوية في ما تبقى من دول المعمور، ممن كانوا في الماضي القريب يراضون نسائهم بملايين الشعب الصحراوي ليستخلص من الأموال المرصودة لغنج نسائهم و بناتهم و أولادهم… ما قد يدفع الجوع و العطش عن فلذات الأكباد في المخيمات، كان أملنا في الخطاب كبيرا بأن يوجه نداءا إلى أبناء الشعب من الجاليات الذين يترأسون جمعيات تحصد الأخضر و اليابس، و تحصل على مساعدات أكثر مما تحصل عليه الدولة الصحراوية نفسها لنشعر أن لنا قيادة تحترم شعبها…
غير أن مجرد النظر إلى وجه الرئيس “إبراهيم غالي” و هو يخطب في الشعب، يتضح أن الوضع مقلق للغاية و أن القادم ليس سيئا بقدر المتوقع، بل هو مأساوي جدا، و هو غارق في يأسه كان يحاول أن يمنحنا الأمل، ضعف الطالب و المطلوب…، لقد بدا محبطا و هو يدعونا إلى الالتفاف حول القضية، لأنه لم يستطع التخلص من تأثيرات ما وقع في مجلس الأمن، بل الأكثر أنه سمع قبل ساعات من الخطاب خبر تعيين الأمم المتحدة لممثل دولة الاحتلال “عمر هلال”، كمفوض أممي لمسلسل تعزيز هيئات معاهدات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان…، ليغلق المحتل رسميا ملف حقوق الإنسان في وجوهنا بعدما أغلق الإتحاد الأوروبي ملف الثروات من قبل.
لا تتوقف الأحداث هنا، بل تتطور لتصبح أكثر حزنا و كآبة بعدما تمكن عدد من الشباب الصحراوي في المخيمات من السطو على شاحنات من الدجاج كانت موجهة للأسواق داخل المخيمات و قاموا بتوزيعها مجانا على الشعب الصحراوي مما خلف موجة استياء داخل البيت الأصفر لسببين الأول لأن السطو على الشحنة أظهر أن المخيمات تتجه إلى التسيب و الفوضى، و الثاني لأن “الهنتاتة” يتشاركون في ملكية الشحنة مع ضباط جزائريين، و غضب المالكين لا يقوى عليه حتى “إبراهيم غالي”، لهذا بدا غاضبا و شاحبا و طاعنا في السن، فحجم الضغط الذي يعيشه الأخ القائد لا يمكن أن يتحمله بشر في هذه الظروف.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك