بقلم : الغضنفر
يقول المثل : “قام من الرماد و طاح في الكانون” ذلك هو التشبيه الذي ينطبق على القرارات المفاجئةالأخيرة لمجموعة معتقلي “اكديم ازيك”، فبعد إلغائهم لفكرة لإضراب عن الطعام يومي 15 و 16 ماي 2017، و التي اعتبرتها – قبل إلغاءها- خطوة متهورة في توقيت حساس جدا، أتفاجأ بطامة أكبر وقع فيها المعتقلون، و هو قرارهم الانسحاب و مقاطعة المحاكمة نهائيا.
فقرار المقاطعة لن يُفهم – للأسف- في سياقه الطبيعي المرتبط بعدم احترام شروط المحاكمة العادلة ، بل سيتم استغلاله قضائيا و ربطه بالتطورات التي عرفتها المحاكمة خلال الأسبوع الماضي و بداية هذا الأسبوع و سيتم تأويله على انه مناورة من هؤلاء المعتقلين للهروب إلى الأمام بعدما حوصروا بـ “شهود الإثبات” الذين استعانت بهم سلطات الاحتلال المغربي لتوريطهم في جرائم الدم.
قرار المقاطعة – حسب القانون المغربي – لن يؤثر على مواصلة أطوار المحاكمة، و حتى مع امتناع المعتقلين عن الحضور للجلسات، تبقى لرئيس الجلسة صلاحية إحضارهم بالقوة، و هو أمر استبعد أن تلجأ إليه المحكمة، بما أن عدم حضور المعتقلين سيشكل فرصة للمحتل لمواصلة الاستماع لـ “شهود الإثبات” و تلفيق الأدلة دون تشويش من المعتقلين و لا اعتراض من هيئة دفاعهم التي انسحبت هي الأخرى، لذلك فإنني اعتبر قرار المقاطعة خطوة انتحارية ستزيد من تأزيم وضعية المعتقلين و عائلاتهم.
فالإعلان عن الإضراب ثم التراجع عنه، ثم الإعلان عن المقاطعة في ظرف أربعة أيام يعكس مدى التخبط و انعدام الرؤية لدى المعتقلين الصحراويين، نتيجة قناعتهم بأن الطريق الذي سلكوه مع بداية المحاكمة لم يكن صائبا، بعد انخراطهم الأعمى في مخطط “النعمة أسفاري” و المحامين الفرنسيين المنتدبان للدفاع عنه، الذين عملوا منذ البداية إلى جر المعتقلين إلى الدخول في مناظرة سياسية داخل المحكمة بغاية إحراج المحتل المغربي بخصوص موضوع احتلاله للصحراء الغربية، إلا أنه – مع توالي جلسات المحاكمة – تبين بأن سلطات الاحتلال هي من تجني ثمار تسييس المحاكمة لتلميع صورتها دوليا على المستوى الحقوقي.
و في حال ما أعلنت هيئة الدفاع مقاطعتها نهائيا لهذه المحاكمة فستكون بذلك قد بددت آخر أمل في إمكانية الإفراج عن المعتقلين وسنتأكد بأن الأحكام لن تكون أقل قسوة من أحكام المحكمة العسكرية، و لن تفيد كل الاحتجاجات أمام المحكمة للعائلات و المتضامنين.
لذلك لطالما ناديت بضرورة التركيز على الأمور القضائية و القانونية لإثبات براءة المعتقلين، لأن الحصول على البراءة هو السبيل الوحيد لإحراج المحتل المغربي حقوقيا و مساءلته دوليا عن ست سنوات و نصف من الاعتقال التعسفي و القسري، و لكن للأسف القيادة الصحراوية اختارت الطريق الصعب و ضحت بالمعتقلين و بعائلاتهم ، لأنها كانت تعتقد بأن إعادة هذه المحاكمة أمام محكمة مدنية هو إجراء شكلي لجأت إليه السلطات المعربية للتخلص من عبأ هذا الملف عبر إيجاد منفذ للإفراج عن المعتقلين، خصوصا و أن الإعلان عن إعادة المحاكمة جاء في ظرفية كان يبحث فيها المحتل عن عودته إلى الاتحاد الإفريقي.
و جولة بعد جولة تأكد بأن سلطات الاحتلال ليست لها نية الإفراج عن المعتقلين أو حتى أكون دقيقا في الوصف، استُبعدت فكرة الإفراج بعدما رأت بأنها لن تخدم مصالحها و بأن القضية تحولت إلى لعبة لكسر العظام و للتحدي السياسي بين المحتل المغربي و القيادة الصحراوية، و أن أي إفراج سيتم تأويله بأنه جاء نتيجة لضغوط دولية و هو ما لا تريده الرباط، لذلك خططت بشكل هادئ لكل التطورات و هو ما يُؤشر على أنه كانت هناك إستراتيجية مدروسة لكل جوانب المحاكمة منذ البداية، و أن العدو وضع نصب عينيه كل السيناريوهات المحتملة، بما فيها احتمال مقاطعة المحاكمة من طرف المعتقلين و هيئة دفاعهم، و كذلك النقاشات السياسية المحمومة داخل المحكمة أو في محيطها، و هو ما يُفسر تعاطيه بنوع من ضبط الأعصاب و بدم بارد مع كل المظاهرات الاحتجاجية التي كانت تتم بمحيط المحكمة و الشعارات السياسية الرافضة لاحتلال الصحراء، ليستثمر كل هذه الأحداث في دعايته حول توفير جميع الشروط و الضمانات لمحاكمة عادلة و لتلميع صورته كدولة تحترم حقوق الإنسان.
ففي الوقت الذي كانت فيه القيادة الصحراوية، بتنسيق مع المحامين الفرنسيين المنتذبين عن جمعية “أكات”، يرون في المحاكمة مجرد ورقة سياسية لإزعاج المحتل في عقر داره، كان اهتمام هذا الأخير منصبا على الجوانب القانونية و المعطيات التي من شأنها توريط المعتقلين، من جهة، و إعطاء الانطباع بأنه تم توفير شروط المحاكمة العادلة لهم، من جهة أخرى، وهو – للأسف- ما نجح في تحقيقه لحدود الساعة، بحيث لم يستطع أي من المراقبين الدوليين المتضامنين الحاضرين أطوار هذه الجلسات، تسجيل أي انتهاك أو تضييق من شأنه الطعن في قانونيتها.
بل العكس هو ما يحصل ، فالمحامون الفرنسيون الذين انتدبتهم جمعية “أكات” للدفاع عن”النعمة أسفاري”، أبانوا – مع توالي جولات المحاكمة ـ عن محدوديتهم في مجاراة هيئة المحكمة و دفاع عائلات الضحايا، و عن ضعف كبير في الردود أمام مستجدات المحاكمة، و قد تجلى هذا الإخفاق في عدم استطاعتهم تنفيذ خطوة الانسحاب في الوقت المناسب، أي بمجرد الانتهاء من جلسات الاستماع للمعتقلين.