بقلم : الغضنفر
“معضلة الحمار” – أو” معضلة بوريدان“ (Buridan’s Paradox) ، كما تعرف فكريا، نسبة الى الكاهن الفرنسي “جان بوريدان”، الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي، و الذي كان مهتمًّا بدراسة سلوك الإنسان، ومسألة الدوافع التي تحرك الكائن الحي بصفة عامة، و هو الذي طور مفهوم قوة الدفع، وقد أشتهر أسمه بسبب تجرية فكرية تُعرف بإسم “حمار بوريدان“، وهي من المفارقات المثيرة التي نُسبت له، رغم عدم وجودها في اي من كتاباته، حول حقيقة الإرادة البشرية في الاختيار، حينما يكون الخيار بين أمرين متشابهين تماماً إلى حد التطابق.
ما تطرحه تجربة “بوريدان” هو أنه منع حماره من الأكل وتركه جائعاً لعدة أيام، ثم أتى به و اوقفه بين حزمتين من التبن وعلى نفس المسافة منه، متساويتين في الكمية، وكذلك متطابقتين في شكلهما الهندسي ومظهرهما الخارجي، فصعب على الحمار ترتيب أولويات منطقية لاختيار إحدي الكومتين وتفضيلها بأي حجة ، ووقف مشلولاً عاجزا عن أخذ قرار ، فمات جوعاً... مفارقة معقدة جداً: حمار جائع مع علفه الذي يحبه ولكنه يموت من الجوع!!
قد يبدو كل هذا الكلام وكأنه هراء فلسفي لا وجود له في الواقع، ولكن الحقيقة أن نسخة من المفارقة نفسها تظهر في اسلوب القيادة الصحراوية في تحضيرها للمؤتمر و ادعاءها اشراك المناضلين من المناطق المحتلة و جنوب المغرب في عملية التفكير للمؤتمر، اذ لا فائدة من خلق تلك اللجان المحلية، التي تشكلت فقط من بضعة أفراد لا يتجاوز عددهم العشرة – في أحسن الاحوال- في بعض المدن المحتلة، لتدارس الوثائق الخمسة التي اعدتها اللجنة التحضيرية، برآسة “بشرايا بيون”، بحيث لم يطلع على تلك الوثائق سوى ثلاثة او اربعة من اعضاء هذه اللجان المحلية، و لم يشرف على ديباجة تقارير اللجان للرد على ما جاء فيها سوى شخص او شخصين، …. اذن هل بهذا الاسلوب الاقصائي الانتقائي يمكن أن ننتج أفكار للمؤتمر.
القيادة الصحراوية تعرف جيدا بأن انتكاساتها خلال السنوات الماضية، كانت اكثر من انجازاتها و بالتالي فهاجسها هو تمرير المؤتمر دون كبير احراج لها، و دون تشويش على أشغاله لذلك سعت الى انتقاء دقيق للمؤتمرين، ليشكل غالبيتهم جدارا حصينا لها في مواجهة بعض المشاركين المعارضين، و هو ما يفسر التركيبة البشرية العجيبة للوفد الممثل للأرض المحتلة و جنوب المغرب في هذا المحفل، الذين تنعدم في غالبيتهم المقومات الثقافية و الفكرية و السياسية التي تعزز اختيارهم كمٌؤتمرين؛ فالمؤتمرون هم قوة اقتراحية و حوارية خلال ورشات المؤتمر، و اعتراضية عند الضرورة، فالمفروض فيهم ان لهم القدرة على اقتراح زيادة عدد أعضاء الأمانة الوطنية أو تخفيضه، و يعرفون الحكمة من اقتراحهم… المؤتمرون مثقفون يناقشون السياسة الدولية والاقليمية و تأثيراتها على القضية الوطنية … المؤتمرون ثوار يناقشون بكل جرأة اعطاب القضية الوطنية و ابعادها المصيرية.
لكن للأسف، الفكر اليساري، الموروث عن الحقبة السوفيتية، و الذي كان عقيدة الرعيل الأول المؤسس للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب، لا يزال يضفي هالة من القداسة حول مؤتمرات التنظيم، و حول شخص القائد، بحيث تسبق كل مؤتمر، الذي يتمتع دائما بصفة “التاريخي”، طقوس التحضيرات لوثائق المؤتمر و التقارير المتميزة التي من المفروض انها تعتصر خلاصة الهمة في عطاء القيادة و صمود الجيش و صبر الشعب، وتأتيه خلال اشغال المؤتمر رسائل التأييد والمناشدة من كل حدب وصوب، و جرت العادة في بداية كل مؤتمر أن يتحدث “الرفاق” في تقريرهما الأدبي و المالي عن إنجازاتهم الهامة، أما الأوضاع السلبية، فهي مجرد “قصور في الأداء وأخطاء وثغرات” سيتم تداركها.
و بالتالي فمعظم مؤتمري الأرض المحتلة، سيفعلون ما فعله “حمار بوريدان” امام كومتي التبن، سيدخلون المؤتمر و سيتفرجون و سيخرجون منه دون ان يتركوا بصمة في هذه المشاركة، اللهم استخدامهم كحطب في عملية التصويت على اعادة انتخاب “ابراهيم غالي” امينا عاما للتنظيم، فعلى على سبيل المثال، ماذا ننتظر من مشاركة “سلطينة خيا” و “محمد داداش و “كجمولة اسماعيلي” و “ام السعد الزاوي”و “علي بوجلال”و “البتول لقريد” و “سلم المدكوري” و “البروتو”و “الكورية السعدي”و “سليمة ليمام”و “بومبا الفقير” و “علي السعدوني” و “هيبة حبيبي”و “عيشة لمشويط”و “الصالحة بوتنكيزة” و “محمد مانولو”… و غيرهم؟؟؟؟؟؟؟ ، فهل هؤلاء ذاهبون الى حفل زفاف، أم الى محفل سيتم فيه اتخاذ قرارات مصيرية للقضية الوطنية؟… فقمة الاستخفاف بمشروعنا الوطني ان لا تجد القيادة من نخب المدن المحتلة و جنوب المغرب سوى هؤلاء الدهماء.
ثم هناك بعض التفاصيل التي يجب الانتباه اليها في تركيبة الوفد، حيث تحكمت العلاقات الشخصية في اختيار المؤتمرين و ليست الكفاءة، من بينها اصرار التافه “محمد داداش” على اصطحاب حماته “كجمولة اسماعيلي” في العديد من الرحلات الى المخيمات، مع العلم أن الجميع بمدينة العيون المحتلة يعرف بأن هذه الأخيرة امرأة بسيطة كانت تشتغل – قبل سنوات- كخياطة لإعالة ابنتها الوحيدة، و ان ظروفها المادية الصعبة هي التي جعلتها تقبل تزويج ابنتها و هي في سن صغيرة من “داداش” في عملية هي اشبه باغتصاب طفولة تلك الفتاة… و المناضلون المقربون من “داداش” يعرفون جيدا بأن حماته – في بداية حياته الزوجية بابنتها- كانت تنصحه بالابتعاد عن الانشطة السياسية و ان يكرس وقته في البحث عن مورد رزق، فماذا تغير اليوم !!!؟…
اليوم عندما ارى الحالة المادية لهذه المرأة التي تحسنت بشكل ملحوظ، ادرك جيدا بأن “منظومة النضال”، حالها كحال “اليوتوب”، اصبحت مصدر دخل للعديد من الأسماء الموجودة ضمن المؤتمرين، بعدما أصبح “محمد داداش” هو الخازن الأكبر الذي تكلفه القيادة الصحراوية بعملية توزيع كعكة الدعم المالي للانتفاضة، و بالتالي فهذا الاخير يطبق سنة “في المقربين أولى”، ليخفف عن نفسه العبء المادي الذي يمكن ان تمارسه حماته على ميزانيته، و يشركها كذلك في السفريات لتنال نصيبها من المنحة المالية التي سيتم توزيعها في نهاية اشغال المؤتمر… و كل مؤتمر و الشعب الصحراوي بخير.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك