بـقـلـم : أغيلاس
هناك من كتب يوما – و هو في قمة اليأس و الإحباط- عبارته: “كنت أظنني انتصرت في كل المعارك التي خضتها، و مع ذلك أحس أنني قد خسرت الحرب، كل الخطوات التي اتبعتها كانت صحيحة، لكن، ليس هذا أبدا المكان الذي أردت الوصول إليه… !!!، لقد تحولت هذه العبارة إلى مرجع للمنكوبين من أمثالنا في الأدب العالمي، حيث فرضت علينا القضية معارك لا تتوقف حتى تبدأ من جديد…، كانت جبهات شديدة البأس إعلاميا و دبلوماسيا و ماليا و عقائديا و نفسيا و نضاليا…، فتركت في قلوبنا ندوبا و أوجاعا لا تندمل، و كنا نظن أننا بصبرنا سنفوز، و الحقيقة أن خسائرنا – الى حدود الساعة- لا تعد و لا تحصى، و مع كل هزيمة إعتقدناها نصرا، كانت انتصاراتنا كالأطياف تبتعد و تتلاشى كلما أمعنا النظر في حقيقتها، و حتى الذين وثقنا في نواياهم بعدما حصلوا ما أرادوا من المال و الرعاية، قرروا أخيرا الخيانة، و التصريح بما لا يليق…
كانت مجرد نشوة، مرحلية ضيقة الزمن، تلك التي أحسسنا بها و نحن نقرأ ما كتبته الصحافة في حوارها مع الرئيس الموريتاني الذي أطفئ بعض شكنا بقوله أن “الجمهورية الموريتانية ستظل وفية لعهدها، و أنها تعترف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، رغم المواقف التي أفزعنا بها النظام الموريتاني، الذي يقوده “ولد الغزواني”، حتى ظننا أن الرجل قرر تحويل موريتانيا و كل مؤسساتها إلى امتداد لمصالح الرباط…، و رغم هذا التصريح الذي أهدانا بعض الطمأنينة، عادت الهواجس لتسكننا مع ما نشره الصحفي اللبناني، “خير الله خير الله”، الذي باح بما دار بينه و بين المبعوث الأممي السابق “كريستوفر روس” في جلسة عشاء بلندن، و ليته ما نشر ذلك الكلام.. !!
فلو تجولنا في المخيمات و سألنا الصغار و الكبار و الكهول عن ما يمثله ” كريستوفر روس” في ذاكرتهم الجماعية، لقالوا بصوت واحد بأنه الأمل الذي فقدناه، و لو أننا منحنا الميكروفون للدبلوماسيين المغاربة واحدا واحدًا و سألناهم عما يرونه في الرجل، لأجابوا بأنه كان مزعجا و معاديا لمصالح الرباط و طروحاتها…، فلم يكن أكبر المتشائمين من بني جلدتنا، و لا أكبر المتفائلين من الضفة الأخرى يتوقع أن يقلب “روس” الطاولة و يصرح على عكس ما ظنناه، و ما اعتقدنا أنه يؤمن به، و أقول كل هذا الشرح حتى نفهم فلسفة الرجل و حتى نتحمل الرأي الذي أصبح لديه بعد سنوات من الوساطة و جني المال الصحراوي – الجزائري.
فقد كتب الصحفي اللبناني أن المبعوث الأممي الأمريكي، “روس”، اتصل به في لندن و طلب لقاءه، فاستجاب له الكاتب السياسي و دعاه إلى مطعم إيطالي فاخر في قلب العاصمة لندن، و هناك يحكي الكاتب قائلا أنه بعد حديثهما في العموميات و إبداء “روس” تخوفه من حمام دم في سوريا بسبب تعنت النظام، عاد ليركز على قضية الصحراء الغربية، و قال أن لا حل يلوح في الأفق بالنسبة لهذه القضية، و أن تطورا دراماتيكيا في الموضوع وحده القادر على دفع الجزائر أو المغرب إلى التراجع عن موقفه، و أضاف أنه حاليا لا يمكن التوفيق بين الموقفين الجزائري و المغربي، لأن المغرب تعتبر قضية الصحراء رهانا شعبيا و مصيريا، فيما الجزائر تطمح إلى لعب دور إقليمي و هي قادرة على الاختباء إلى ما لا نهاية خلف شعار تقرير المصير.
ما قاله الصحفي في حواره – نقلا عن المبعوث الأممي الأسبق – سيكون في قادم الأيام جزءا من ملف الصراع، إذا ما استطاع المحتل المغربي الاستشهاد به في أروقة مجلس الأمن و الأمم المتحدة و قد يكون ضربة موجعة للقضية الصحراوية، و سيعزز طروحات الاحتلال المغربي و التي تبني هجومها الدبلوماسي على معطى أن النزاع هو حصري الوقوع بين المغرب و الجزائر، و قد يقنع الأمم المتحدة بجر الجزائر إلى مفاوضات مباشرة قد لا تحضرها الدولة الصحراوية، خصوصا إذا علمنا بأن المحتل يمتلك القدرة الضاغطة لتحقيق هذه النوعية من الأهداف، و لا أبالغ إن قلت بأن الوضع الداخلي الجزائري هو الذي تسبب في تغيير رأي المبعوث الأمم “روس”، بعدما كان الرجل على قناعة بأن الشعب الصحراوي هو سيد القضية و مدبر أحداث الصراع مع قوة الاحتلال.
و يمكن تفسير الأمر بأن الهزة الشعبية في الجزائر التي أسقطت النظام “البوتفليقي”، أثرت على بعض التوازنات، خصوصا مع وصول “صبري بوقادوم” إلى رئاسة الدبلوماسية الجزائرية، إذ قرر الرجل لعب كل الأدوار و عدم أداء أي فواتير موروثة عن العهد القديم، لكل من “مساهل” و “لعمامرة”، الذين كانت لهم علاقة متميزة مع المبعوث الأممي منذ كان سفيرا لأمريكا في الجزائر، و بعد أن توقف التزويد و قررت الجزائر التخلي عن نظام اللوبيات، فجأة استيقظ “ضمير الرجل” و قرر قول كل شيء، و مع كامل الأسف فإن خسارة “روس” ستكون مكلفة للقضية الصحراوية في هذه الظرفية الدقيقة، لأن الرجل له معارفه داخل الأمم المتحدة، و له مكانة مهمة داخل مجلس الأمن كأحد خبراء قضايا شمال إفريقيا، و قد نراه خلال الانتخابات القادمة لأمريكا في منصب مهم.
ما صرح به قد يدفعنا للقول بأن موقفه كمبعوث أممي سابق قد يغير الكثير من المعطيات، و سيزيد من مصداقية دفوعات الرباط، و سينضاف موقفه إلى المواقف السابقة لمبعوثين أمميين كـ “بيتر فان فالسوم” الذي بعد انتهاء مهامه قرر توضيح بعض المعطيات التي كانت جلها لصالح المحتل المغربي، و يمكن اعتبار ” فالسوم” أنه أصبح مغربيا بكامل الأوصاف بعد أن انتهت مهامه و يعد مرجعا للأمناء العمين الذين تعاقبوا على رأس المنتظم الدولي، و كأن المبعوثين الأمميين أدمنوا لعبة الانحياز للمحتل بعد انتهاء مهامهم.
إبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك