بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
يقول شيخ صحراوي من آبائنا – و هو يحدثنا عن بدايات الثورة الصحراوية و أيام الحرب ضد الاحتلال الاسباني و المغربي-، أن الرعيل الأول من القادة حين قرروا طلب العون من الجزائر و احتضنتهم بذراعيها، حيث استدعائهم إلى العاصمة و هناك جرى اللقاء بين كبار القوم من الشعب الصحراوي و في مقدمتهم “الوالي مصطفى السيد”، كان الاجتماع مع الرئيس الجزائري آنذاك “الهواري بومدين” الذي قرر تبني القضية الصحراوية جملة و تفصيلا، و بعد انتهاء الاجتماع عانق “الوالي مصطفى السيد” أصدقائه و قال لهم بندم شديد: “لقد أجرمنا في حق شعبنا “، لم يفهم أحدا كلامه إلا بعد مرور أزيد من أربعة عقود…
فقد أذاعت وسائل إعلام جزائرية نبأ تعيين الأمين العام الأممي “أنطونيو غوتيريس” للدبلوماسي الجزائر السابق “رمطان لعمامرة”، كمبعوث شخصي للأمين العام الأممي في الملف الليبي، خلفا للبناني “غسان سلامة” المستقيل من مهامه مؤخرا، بعدما عجز عن التوفيق في الرؤى بين ميلشيات اللواء “خليفة حفتر” و جيش حكومة “الوفاق”، مما نتج عنه انهيار الهدنة و استئناف الحرب، و تدخل قوى إقليمية زادت من تعقيدات الوضع القائم بين الفرقاء الليبيين.
غير أن هذا التعيين جاء مفاجئا بعض الشيء للمنتظم الدولي، لكنه لم يفاجئ الأطراف المتنازعة داخل الساحة الليبية بمن فيهم القوى ذات الأطماع داخل ليبيا، حيث أن الأمين العام الأممي بهذا التعيين يكون قد ورط الجزائر بشكل مباشر في الصراع، و حولها إلى طرف في هذا الملف، بل الأكثر أن الخبراء يعتبرون أن الأمين العام الأممي – بتعيينه لـ “رمطان” مبعوثا أمميا- يؤكد أن الجزائر تحولت إلى لاعب داخل الساحة الليبية و أنها المسؤول المباشر في تعقيد الأوضاع، خصوصا بعد فتحها بشكل سري لموانئها و مطاراتها الحدودية للأتراك من أجل التدخل في ليبيا و كأنها إيالة تركية عثمانية.
و يضيف العارفون بالشأن الليبي أن هذا التعيين جاء بإلحاح من الجزائر و تركيا و ألمانيا، إذ تعتبر الجزائر الوضع الليبي شأنا خاصا بها بحكم الحدود المشتركة، و أنها قادرة على تغيير الوضع الراهن بعد أن لعبت كل الأوراق لإفشال الوساطة اللبنانية، في شخص “غسان سلامة”، الذي راهن على “اتفاق الصخيرات” و آمن بنتائجه، فيما الجزائر التي حصلت على بعض الوعود من دول اجتماع برلين، قررت أن تتورط في الصراع الداخلي بين الأطراف الليبية، بعدما اتضح لها أنها تستطيع أن تحصل على منافع أكثر مما وعدت به، و أنها إذا ما دعمت خطط الأتراك في ليبيا فستصل إلى المنشود و تستطيع التضييق على مصالح فرنسا و السيطرة بالتالي على جزء مهم من ثروات البلاد بعد أن تحدثت تقارير دولية عن نفاذ احتياطي الغاز و البترول الجزائري في أفق 2030، فيما الثروات الليبية تبدو أنها أمد استغلالها أطول عمرا و أكثر وفرة و قد يمتد إنتاجها لقرون.
أصبحت الجزائر طرفا ثالثا في الصراع، و هي منذ نشأته دعمت قبائل “لقذاذفة” و أحلافهم، و اعتقدت ب انه في حال عودة أسرة “معمر القذافي” إلى الحكم – في شخص إبنه “سيف الإسلام”-، فيما أصبح يعرف بالطريق الدائري إلى الرئاسة الليبية، و الذي حاولت الجزائر فرضه على دول الجوار فلقيت معارضة من تونس و مصر…، لكن الأتراك رحبوا إلى جانب قوى أوروبية، بينما الأمم المتحدة ظلت تدعم حلا بين الطرفين الأقوى على الساحة خصوصا الحل الذي سيوقف مليشيات المشير “خليفة حفتر” الذي يلقى دعما منقطع النظير من الخليج و يخرق الهدنة كلما أراد.
و لشرح تعيين “رمطان لعمامرة” أكثر وجبت الإشارة إلى أن الأمم المتحدة عمدت الى خلق توازن بين القوى الدبلوماسية على المستوى الإقليمي بشمال إفريقيا، حيث سعت إلى إرضاء الرباط، حتى لا يقرأ تعيين “لعمامرة” بشكل خاطئ من طرف دولة الاحتلال المغربي، و أحدثت بشكل سريع منصب مبعوث أممي إلى دول الساحل و الصحراء، و وضعت على رأسه أحد أشرس أعداء الشعب الصحراوي على الإطلاق داخل الإدارة الأمريكية و يتعلق الأمر بـ ” جون بيتر فام”، و الذي علق موقع ALGERIE PART على تعيينه بالقول: “أن المخزن المغربي ضغط بقوة على الإدارة الأمريكية لتعيين بيتر فام صديق الرباط في إحدى المهمات الرئيسية للأمم المتحدة بإفريقيا”، الموقع لخص هذا التعيين في أن المغرب استغل انشغال القوى التقليدية بكعكة ليبيا و الحروب الهامشية للسيطرة على شمال إفريقيا، عبر إحياء أحلام الإمبراطورية العثمانية و تورط الجزائر في المشروع، و بدأ يسطر على خيوط الحرب على الإرهاب بعد هجوم تونس الأخير بالقرب من السفارة الأمريكية.
“جون بيتر فام” بطريقة غير مباشرة يمكن الجزم بأنه هو المبعوث الأممي الجديد للقضية الصحراوية، في ظل غياب مبعوث أممي صريح، أي أنه سيلعب الدور بالنيابة عن المبعوث المفقود، و أن الأمين العام سيقبل تقاريره في المنطقة، لأن الرجل متخصص في القضايا الإفريقية و له دراية جيدة بالجماعات الإرهابية و يدير مركز “أفريكا سانتر”، التابع لمجموعة التفكير الأمريكية “أطلانتيك كاونسيل”…، حيث صرح في أول تعليق له على دور الرباط الديني في المنطقة بالقول: “أن المغرب يمثل قوة للاعتدال والسلم في إفريقيا”.
هذه الجلبة الهادئة و هذا التوزيع للأدوار، و التوازنات الدبلوماسية التي تخدم المصالح بين الجزائر و المغرب، تظهر و كأن هناك اتفاق ضمني بين الرباط و الأمم المتحدة و الجزائر حول المتغيرات التي تحدث في شمال إفريقيا، أو على الأقل يمكن الحديث عن توزيع بالمسطرة للمسافات و مجال النفوذ بين الرباط و الجزائر، تحت رعاية الأمم المتحدة، حيث قررت الجزائر تقديم القضية الليبية على القضية الصحراوية و الضغط بكل ثقلها و استخدام كل ما أتيح لها و تحالفاتها الأوروبية و العثمانية الأردوغانية و الخليجية…، لتحصل على الوساطة في الملف و تستطيع النفاذ إلى باطن الأرض الليبية، فيما المحتل المغربي أمسك بملف الإرهاب و وضعه تحت إبطه و أجلس المبعوث الأممي الجديد إلى جانبه، و قريبا سنسمع تصنيفا جديا للجماعات الإرهابية قد يشمل الدولة الصحراوية و إن لم يشملها فقد يشير إليها، لأن قيادتنا التي تنام ملء جفونها في هذه اللحظات و العالم من حولها يتغير، ستستفيق عما قريب لتجد نفسها في عراء تيفاريتي مع شعب أنفق أزيد من أربعة عقود ليحصد الهباء.
و انا اكتب هذا المقال وردني خبر عن الغاء تعيين “لعمامرة” و تعويضة بالأمريكية “ستيفاني توركو وليامز” … و الى حين التأكد من صحة الخبر سأعود لمناقشة هذا المستجد و علاقته بالصراع الدبلوماسي الجزائري-المغربي.
إبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك