عودة ” دونالد ترامب” تبعثر مخططات “ماكرون” و تضطره للاستنجاد باليسار الفرنسي للخروج من ورطته بأقل الخسائر… !!
بـقـلـم : بن بطوش
قبل تحليل موضوع العودة المرتقبة لـ “دونالد ترامب” و علاقتها بنتائج الانتخابات التشريعية الفرنسية الأخيرة، وجب التطرق إلى التناقضات التي يعيشها نظام الحليف الجزائري؛ حيث كشف المدون الجزائري “أمير بوخريص”، الملقب بـ “أمير DZ“، في بث مباشر بأنه يمتلك وثائق و أدلة تؤكد أن النظام الجزائري بعد أن تابع آثار الدمار في غزة، استعان بقصر الإليزيه و برجال أعمال و سياسيين كنديين للتوسط له من أجل اقتناء أسلحة إسرائيلية، و أضاف أن الطلب تضمن مُسيِّرات انتحارية من نوع “هاروب” (Harop) و أنظمة تشويش و كاميرات رصد حرارية و أنظمة تواصل…، لكن الإسرائيليين رفضوا مناقشة العرض الجزائري، و من المنتظر أن يُسرّب الإعلام الإسرائيلي تفاصيل إضافية عن الصفقة المقترحة من طرف قصر المرادية.
الموجع ليس الخبر، لأن البحث عن مُصنِّعين جُدد للأسلحة في ظل الظروف الراهنة، و بعد متابعتنا كرأي عام لمشاهد الاستعراض الأخير للعتاد و الدفعات التي تخرجت من الأكاديميات العسكرية الجزائرية، يتأكد أن الجيش الجزائري في حاجة ماسّة إلى تحسين قدراته العسكرية التي يبدو أنها تأثرت كثيرا بموقف روسيا من الجزائر، بل الذي يُضير القلب أن النظام الجزائري له خطاب مزدوج و متناقض، فهو يتصرف عكس ما يُبديه من مواقف، إذ أنه درس و حلل جيدا الحرب في غزة و أيقن أن إسرائيل قوة عسكرية رهيبة، و أنها تمتلك عوامل النصر الكلاسيكية، و أبدى رغبته في الحصول على تلك الأسلحة التي استخدمت لتدمير غزة و قتل سكانها، و بالتالي فالنظام الجزائري اقتنع بأن تحقيق التوازن الإستراتيجي مع الجار المغربي يمر عبر اقتناء التكنولوجيا العسكرية الصهيونية، لكنه على النقيض من مساعيه و رغبته في تحقيق هذا الأمر، فهو يُجرِّم أي تعامل عربي مع الكيان الإسرائيلي سرا و علانية، و هذا منتهى التناقض و الشيزوفرينيا السياسية.
من جملة المتناقضات التي أعيبها على الحليف الجزائري، أنه قبل حوالي ثلاثة أسابيع أطلق حملة مجنونة ضد تنظيم الرباط لمهرجان الموسيقى العالمي، المعروف بـ “موازين”، و كلنا صفقنا لتلك الحملة، بعدما جيَّشت ثكنة “عنتر” عشرات الآلاف من الحسابات و الذباب الالكتروني داخل الجزائر و في أوروبا و بالخليج…، و جرى شيطنة حكومة الاحتلال المغربي و القائمين على المهرجان و كل من سيشارك فيه أو يتابعه، و تم وصفهم بأبشع النعوت، و قيل أنهم يريدون الاحتفال و الرقص رغم كرب الغزاويين و أحزانهم…، و اليوم نشعر بالخجل و نحن نرى شوارع الجزائر منذ 27 جوان الأخير تغص بالراقصين من كل الجنسيات، تحت اسم “مهرجان الرقص الأوروبي”…، حيث رأينا مئات الفرق تجوب الشوارع و تشارك الجزائريين الفرحة و الرقص، و منهم من تم توثيقه في صور و هو يرقص ثملا، و في يده قنينة الويسكي الأمريكي وسط شوارع العاصمة…، و كانت سهرة الافتتاح قد نفذت تذاكرها قبل أسابيع من موعد انطلاقها.
ما يعيشه النظام الجزائري من تناقض صارخ بين الخطاب و السلوك، لا يرتبط بالقضية الفلسطينية فقط، بل حتى بمصالحه الإستراتيجية، ذلك أن قصر المرادية ساعد بسذاجة مستعمر الأمس في مخططه السري، رغم ما فعله “ماكرون” من سوء بسمعة هذا البلد؛ إذ بعد انتهاء المرحلة الثانية من الانتخابات الفرنسية، و عودة اليسار إلى الواجهة، بتحقيقه تقدما بسيطا على حساب اليمين المتطرف، المرشح ليكون جزءا من الحكومة المقبلة لباريس، أثبت قصر الإليزيه أنه أخبث نظام في الكون، و أن الديمقراطية الفرنسية محض خدعة، لأن الإعلام الفرنسي المعارض و معه بعض الصحف الأمريكية تحدثت عن تسويات في الخفاء بين اليسار الفرنسي و فرنسا العميقة، و أن “فرنسوا هولاند” هو من قاد المفاوضات بين قصر الإليزيه و تكتل اليسار، و أن التصويت تم توجيهه إعلاميا من طرف فرنسا، و أنه من غير المستبعد أن يعود “هولاند” إلى الواجهة السياسية عبر تكليفه بإحدى الحقائب الوزارية،…. لكن أين يكمن الخبث الفرنسي؟ و لماذا حدثت التسويات ؟ و ما هي التنازلات التي قدمتها أحزاب اليسار لإنقاذ البلاد و المواطن الفرنسي و الأوروبي من موجة اليمين المتطرف… !!؟
نبدأ من الرئيس “ماكرون” لنشرح كيف تطورت الأحداث الأخيرة؛ فقبل أشهر من الآن كانت هناك قوى و أيادي خفية تدفع هذا الأخير لقيادة أوروبا إلى حرب طاحنة مع روسيا، هذه القوى تمثل إمبراطوريات المال التي تقودها أسرة “بولوري” الفرنسية، و الذريعة التي كان مبررا لهذا التوجه الدراماتيكي هو تخليص أوكرانيا من المأساة التي ورطها بها “الناتو” في قصة صواريخ الردع الإستراتيجية، التي اعتزم الحلف العسكري نشرها بالقرب من جزيرة القرم و ضم أوكرانيا للحلف، و كان المشروع الفرنسي –كما شرحنا ذلك في مقال سابق- مبني على فكرة إحياء القوميات الأوروبية لإقناع الأوروبيين بجدوى الحرب، و وصول اليمين المفاجئ في الانتخابات الأخيرة كان مخطط له و يذكرنا بوصول الجنرالات للحكم منتصف ثلاثينيات القرن الماضي و الذي مهد الأرضية السياسية و الفكرية لاندلاع لحرب العالمية الثانية…، لكن فشل مخطط وضع “دونالد ترامب” في السجن و عودته بقوة إلى الساحة الانتخابية الأمريكية، أفشل مخططات أوروبا التي كانت تعول كثيرا في مشروع حربها ضد روسيا على الدعم الأمريكي، و كان ثمة حديث عن إبرام اتفاق سري مع واشنطن لإعادة إعمار الدول التي تقع على حزام الحرب مع روسيا بعد حدوث الحرب الشاملة على شاكلة “مشروع مارشال” الذي تم تنفيذه بعد الحرب العالمية الثانية، لكن معارضة ” دونالد ترامب” لهذا المخطط الذي وصفه بمحاولة تدمير أوروبا، و رفضه تورط أمريكا في أي مجابهة عسكرية مع الروس، دمر مساعي فرنسا العميقة لبناء أوروبا قوية على ركام الحرب المستقبلية مع روسيا.
فرنسا العميقة أرادت تكرار تجربة “بوتين” و التأثير على الرأي العام الأمريكي لمنع ” دونالد ترامب” من العودة إلى البيت الأبيض، و حاول الملياردير الفرنسي الذي يتحكم في سياسة فرنسا “فينسنت بولوري” شراء جريدة “نيويورك بوست” لإطلاق الحملة الإعلامية لتدمير سمعة “ترامب”، لكن الأمريكيين انتبهوا للمخطط الفرنسي و عرقلوا الصفقة، و الآن هناك تشنج في العلاقات بين واشنطن و باريس، و من غير المستبعد أن تكون محاولة اغتيال ” دونالد ترامب” ضمن المخطط، لأن القناص المفترض تم اغتياله و لم يتم اعتقاله ، و قيل بأن محاولته هي مبادرة شخصية، و الأسرار التي كانت معه ستدفن في نفس الصندوق الذي سيدفن به.
فرنسا بعد خيبة أملها فيما ستفرزه الانتخابات الأمريكية، أصبحت تخشى على نفسها من اليمين الفرنسي، الذي يمثل وحشا كاسرا قد يصعب التحكم فيه، و قد يقود الحماس الأحزاب اليمينية إلى التسبب في حرب ثنائية فرنسية – روسية، يكون الأوروبيون فيها شهود و متفرجون فقط، لأن الأوروبيون بحم تجربتهم خلال الحربين العالميتين، يضعون شرط تورط أمريكا للدخول في حرب مع روسيا.
كل هذا يعطي الانطباع أن فرنسا العميقة كانت تنوي الدخول في مغامرة كبيرة و خطرة جدا، بمنح اليمين فرصة الحكم، لكن قصر الإليزيه بعد انتهاء المرحلة الأولى من الانتخابات التي تقدم فيها اليمين، تواصل مع اليسار الفرنسي و عرض عليهم خطة عمل تتضمن أنه في حال حدوث مفاجئة في الانتخابات الأمريكية تمنع وصول “ترامب” إلى البيت الأبيض، فعليهم إقناع المجتمع الفرنسي بضرورة الموافقة على مواجهة روسيا في حرب مصيرية، و أيضا اشترط الإليزيه على اليسار الفرنسي أن يعمل على الحفاظ على توازن المصالح في علاقة فرنسا بالرباط و الجزائر، و عدم لعب ورقة اليسار الذي يدعم الجزائر الاشتراكية، و يعادي الليبرالية في المغرب، و هذا التوافق هو ما جعل “بولور” يوجه إمبراطوريته الإعلامية “فيفاندي” لتخدم اليسار الفرنسي، و توجه الرأي العام بشكل صريح و مباشر للتصويت على أحزاب اليسار، و تطلق حملة تشويه في حق سياسيي اليمين المتطرف.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك