بـقـلـم : بن بطوش
دون مقدمات و من غير سابق تفسير، نشر الإعلام الجزائري الرسمي على منصة “الشروق” و “النهار TV “، مقولة لمؤسس علم السياسة الواقعي “ميكيافيلي”، جاء فيها: “التحالف مع قوى كبرى لهزيمة جارك، هو فخ إستراتيجي…”، و هي رسالة موجهة – دون شك- إلى النظام المخزني، بعد أن تناقل الإعلام في كل من أمريكا و فرنسا صورا، نشرها الإعلام التركي، لفرع مصنع “بيكار” بالدار البيضاء، و تظهر فيه طائرتي “أكانجي” و “بيريقدار” تقفان بكل رشاقة كنموذج نهائي في سلسلة إنتاج.
من جانبها، جريدة “التيليغراف” البريطانية لم تكتفي بنشر الخبر بل أرفقته بما أسماه الصحفي “تسريب شديد الحساسية”، حول تمكن الرباط من إنتاج طائرات انتحارية، صناعة مغربية خالصة، من طراز SPY-X، بمعدل 3000 طائرة شهريا غير موجهة للتصدير، و أن الرباط تستهدف الحصول على مخزون إستراتيجي من المُسيِّرات يتجاوز العشرة ملايين طائرة انتحارية، بمدى 1000 إلى 5000 كلم…، ليبقى السؤال المثير للحيرة، هو بما أن الرباط تضرب طوقا من السرية و التعتيم على هذه الصناعة، لماذا سمحت بهذا التسريب في هذا التوقيت بالضبط… !!؟
الجواب يجرنا إلى ربط هذا التسريب بالحرب على إيران، بعد فشل أمريكا في استدراج “الناتو” إلى هذه الحرب، و الاكتفاء بالتحالف مع إسرائيل و استعمال القواعد و المجالات الجوية الخليجية…، هذا الفشل انتبه إليه الجنرال الإسباني المتقاعد، “فرناندو أليخاندري”، الذي يعتبر مستشارا في الدفاع الإسباني بسبب خبرته الكبيرة في الحروب التي شارك فيها، حيث رفع تقريرا إلى وزارة الدفاع الإسبانية، أذاعه التلفزيون الإسباني و ناقشه عدد من الخبراء، جاء فيه أن “الناتو خائن، و أنه الدول الأعضاء فيه غدرت بأمريكا، و بالتالي أمريكا لن تساعد إسبانيا في أي حرب مستقبلية ضد العدو الأقرب إليها (المغرب)، الذي يخطط لاستغلال الخلاف الأمريكي – الإسباني و دفع واشنطن للاعتراف بسيادة الرباط على المدينتين سبتة و مليلية”.
على الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط، التقط النظام الجزائري تلك الإشارات و النقاشات الإسبانية بخصوص هذا الموضوع و اعتبرها دعوة مفتوحة لعقد تحالفات جديدة مع مدريد ضد الرباط، حيث وجه الرئيس الجزائري دعوة إلى رئيس الوزراء الإسباني لزيارة الجزائر و عقد اتفاقيات جديدة تحت غطاء ” سياسة حسن الجوار”… لكن “سانشييز” إعتذر لـ “عبد المجيد تبون” عن الحضور شخصيا بسبب عدم شغور أجندته، و قال أنه سيرسل وزير خارجيته إلى قصر المرادية لينوب عنه في زيارة رسمية.
و كذلك حدث، حيث نزل وزير الخارجية الإسباني، “ألباريس”، في مطار “هواري بومدين” بعد يوم واحد من زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية “جورجيا ميلوني”، و تم استقباله بشكل برتوكولي مميز، و تم الاحتفاء به بشكل رسمي و كأنه رئيس دولة، و خلال لقاءه بوزير الخارجية الجزائري، طلب “ألباريس” – حسب ما نُشر في الإعلام الإسباني- برفع حصة إسبانيا من الغاز الجزائري مع الإبقاء على نفس الأسعار التفضيلية، و هو ما جعل “أحمد عطاف” يبلغه أن الأمر هو قرار سيادي بيد الرئيس الجزائري… و بعد لقاء ه بالرئيس “تبون”، فاجئه هذا الأخير عندما أبلغه أنه كتعبير عن حسن نيته اتجاه مدريد، قرر إعادة تفعيل “اتفاقية حسن الجوار” مع إسبانيا التي تم تعليقها بعد أزمة الاعتراف الإسباني بسلطة الرباط على الصحراء الغربية.
و بعد أن أوصل “ألباريس” رسالة “سانشيز” إلى الرئيس الجزائري، اقترح هذا الأخير على الحكومة الإسبانية أحد الخيارين لرفع صبيب الغاز المتدفق إلى إسبانيا؛ إما أن تلغي مدريد اعترافها بسلطة الرباط على الصحراء الغربية أو على الأقل أن تعود خطوة إلى الوراء و تعلن عدم دعمها لمقترح الحكم الذاتي…، أو أن تقبل بمشروع بناء قاعدة مشتركة بين الجيش الجزائري و الجيش الإسباني في مدينة مليلية، مقابل أن تتعهد الجزائر بالدفاع عن الثغرين (سبتة و مليلية) في حال أرادت الرباط استرجاعهما… !!، أو في حال نشوب حرب بين مدريد و الرباط بسبب المدينتين، بما أن “الناتو” لا يعتبرهما مدينتين أوروبيتين و لا يدرجهما ضمن مجال نفوذ دفاعاته.
و حتى كتابة هذا المقال، الرباط لم تبدي أي ردة فعل إزاء هذا السلوك الجزائري – الإسباني، بسبب أن مدريد لم ترد على النظام الجزائري، مع العلم أن إسبانيا تحصلت على الغاز الموريتاني و لديها بدائل دون شروط و بأسعار تنافسية جدا، مما يشرح أن الرباط مطمئنة على الموقف الإسباني، لكن رد الرباط جاء هادئا، حين سمحت للإعلام التركي بتداول مشاهد لمصنع المُسيرات التابع لمجموعة “بيكار” التركية، و الأكثر أن الرباط سربت معطيات مرعبة إلى “التيلغراف” البريطانية، تعلن فيها أنها منذ أزيد من ثمانية أشهر و هي تنتج مسيرات SPY-X الإسرائيلية، المنتمية لطراز الذخائر المتجول، و التي تجمع بين الإمكانيات التقنية الهائلة لصواريخ “كروز” و خصائص الذخائر الجوالة ذات المدى الباليستي.
لن نقول أن الرد المغربي أشعر الجزائر بالرعب، لكن أن تقوم جميع الصفحات الرسمية على مواقع التواصل بنشر تدوينة ميكيافيلية مفادها أن “التحالف مع قوى كبرى لهزيمة جارك، هو فخ إستراتيجي…”، هو رد فعل فيه الكثير من الاعتذار و الرغبة في إظهار المقترح الذي عرضه الرئيس الجزائري على إسبانيا في ملف سبتة و مليلية كخطأ إستراتيجي، و أيضا يتضمن الكثير من الوَجَل و يكشف عن هواجس جزائرية من تفوق الرباط في تحالفاتها و في هذا النوع من الحروب الحديثة، لأنه فقط تخيل أن توجه الرباط هجوما بألف مسيرة كل ساعة و لمدة أسابيع، يدفع للرهبة و التخوف و قد يحسم أي حرب في أيام، و يؤكد أن ثمة شعور جزائري داخل الدائرة الضيقة للحكم، بأن موازين القوى قد اختلت بالمنطقة، و بأن المحتل المغربي يخفي مفاجئات عسكرية من المستقبل.

لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك