بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
أول ما يصدمنا في خطاب الرئيس هي تلك الصياغة اللغوية للخطاب و التي بنيت جلها على الماضي، و كأنه حضر بمرثيته ليبكي الزمن الجميل للجيل الأول من القضية الصحراوية.. ظل خطابه يستحضر مناقب الراحلين حتى وصل إلى إنجازات الجيش و بطولاته، حيث كان القياس يقتضي أن يقف زعيمنا عند مطب الكركرات، المكان الذي أصيبت القضية فيه بالإهانة الكبرى.. و أن يفتح لنا صدر القضية و يتحدث إلينا بصدق كبير و يضع أصبعه على الجرح لعل الصراحة تشفع له و لمن معه من القادة… غير أن اختار القفز على أسوار الحقائق.
كان الأمر يقتضي أن تكون الذكرى مناسبة لجرد الأحداث و إعادة بناء الثقة عبر الكشف عن برنامج واضح في خطاب خال من لغة الخشب و من الشعارات العنترية الفضفاضة، التي لم تعد تحرك في قلوبنا غير الاستهجان و الاستهزاء، و كان الزعيم مطالبا بالكشف عن الوضع الحقيقي للقضية على المستوى الدولي و أن يحترم ذكاء الشعب الصحراوي و يحاسب نفسه و لن نزايد على كرامة القضية إن قلنا أننا بحاجة إلى اعتذار على ما بدا من سوء تدبير للقضية حتى الآن.
حضرت الذكرى في خطاب القائد و لم تحضر العبرة، ذلك أن الخطاب كان مزيجا من الجمل الفضفاضة التي حاول بها القائد تلطيف قلب الشعب عبر مداعبة أذنه و الدليل على أن الخطاب سقط في معترك اللغة و لم يخرج منها كثر استخدام القائد للمترادفات التي نجدها تتكرر في جميع السطور و قبل كل الفواصل تقريبا.. و في علم العروض تكرار الألفاظ لا يكون إلا لتحسين جمالية النص أو لملئ الفراغ الناتج عن غياب الترابط و الأفكار، و الحالة هنا أن خطاب الرئيس خاليا من الأفكار و مليئا باللغة و الحشو.
بعيدا عن القراءة التقنية لنص الخطاب الرئاسي، فإن هذه الذكرى كان من الواجب استغلالها من طرف قيادتنا و تحويلها إلى متنفس لتلطيف الأجواء و مصارحة الشعب الصحراوي و الكشف عن الحقائق و إظهار النوايا الصادقة و البوح بالتدابير المتخذة لمعالجة الإختلالات، حيث كنا ننتظر من القيادة الإفصاح عن تدابيرها قبيل شهر رمضان المعظم لتجنيب الشعب الصحراوي العطش خلال هذا الشهر الكريم، و نحن نعلم أن العطش بدأ يفتك بأهلنا حتى بالمناطق المحررة.
و كانا ننتظر أيضا أن يكشف لنا السيد القائد كيف سيواجه التقارب المغربي الأمريكي خصوصا و أن محور الرباط ـ الرياض نجح في استمالة “فتوة” العالم “ترامب”، و أن القمة الأخيرة التي جمعت بين العربية السعودية و الرئيس الأمريكي مجدت جهود الدول العربية في محاربة الإرهاب و استثنت ذكر الجزائر، و في هذا الأمر رسائل لا تخفى عن عاقل، و لا ننسى الرئيس الفرنسي الجديد “ماكرون” اتهم الجزائر عنوة بدعمها للإرهاب في مالي، و حين نتحدث عن تهم توجه للجزائر فإن القضية الصحراوية تكون معنية بالأساس.
لم تكن ملاحظاتنا على الخطاب فقط بسبب تغييب الزعيم عن عمد للمواضيع الساخنة ، بل أيضا الأخطاء الإستراتيجية الضخمة التي ارتكبت فيه و هو يخاطبنا بثقة مهزوزة، حيث جعل من الجزائر طرفا صريحا في الصراع، و هي التي تحاول قدر المستطاع البقاء على مسافة معينة من القضية خصوصا و أن هناك تقارير تريد توريطها في تسليح جيشنا الباسل و تجريم الخطوة، و أيضا أراد جر موريتانيا إلى نفس الموقع و هو يشكرها بمكر شديد، و هذا الأمر يتعارض و مبادئ القضية الصحراوية الذي نصارع من أجلها دون توريط أي طرف.
إن خطاب القائد يشرح لنا كل سياسته و كل فشله في النزالات الكبرى للقضية، و خطابه هذا لا يمكن شرحه بعيدا عن نقطتين: أولاهما أن القائد لا يدرك خطورة ما يقوله و أن من حوله يزينون له سوء عمله و يدفعون به إلى الهاوية، و ثانيهما أن الرجل من شدة سلطته التي استمدها من علاقاته داخل الجزائر أصبح يرى في الشعب الصحراوي أمة يمكن إقناعها بأي كلام، إذ يكفي أن ينطقه الرئيس، و في هذا اعتداء على ذكاء كل الأجيال… لهذا نقول للقائد و نحن نضع له علامة مدرسية على كراسة الخطاب… حسن أسلوبك.