بقلم : الغضنفر
كلمة عضو الأمانة الوطنية الأخ “امحمد خداد” التي ألقاها أمام وفد بومرداس ، و بثتها التلفزة الوطنية يوم 16 غشت الماضي ، لقيت اهتماما كبيرا من طرف المواطنين الصحراويين بالمخيمات و بالمناطق المحتلة ، نظرا لاحتواءها على العديد من الحقائق التي تخص القضية الوطنية و تطرقها إلى إستراتيجية القيادة الصحراوية لتدويل النزاع و جعل الأنظار تنجذب إليه من جديد بالاعتماد على ورقة القضاء و القانون الدولي كورقة جديدة تضاف إلى أوراق الضغط الأخرى المتمثلة على الخصوص في “انتفاضة الاستقلال”.
هذه الأفكار لقيت تباينا في التقييم؛ فهناك من اعتبر أن “امحمد خداد” قد تناول موضوع القضية الوطنية بموضوعية كبيرة و أنه ابتعد كثيرا عن لغة الخشب و الوعود الكاذبة بقرب تحقيق الاستقلال التي دأب على نهجها قادة الجبهة، و هناك من رأى في هذه الأفكار ابتعادا عن الخط الثوري الذي قامت عليه الجبهة، نظرا لاعتماد الخطة التي طرحها “امحمد خداد” في محاصرة المغرب على عامل الوقت و هو ما يعني استمرار اللاجئين في معاناتهم إلى الأبد بمخيمات تندوف على الأرض الجزائرية، معاناة و استعجال للحل لا يتقاسمهما “ولد خداد” مع ساكنة المخيمات بالنظر لكونه مزداد بالزويرات فوق التراب الموريتاني و درس بتندوف الجزائرية و هو ما يجعل ارتباطه بأرض الساقية الحمراء و وادي الذهب ضعيفا و لا يتقاسم مع أهلها هم شوق العودة إلى الديار.
في بداية كلمته ذكر “امحمد خداد” ببعض الوقائع التي ظلت غائبة عن غالبية الصحراويين حيث عاد للوراء للتذكير بالمخاطر التي شكلها مشروع الحكم الذاتي المغربي على القضية الوطنية بفعل الضمانات التي تلقاها المغرب من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، لاعتماد مشروعه كحل لنزاع الصحراء الغربية، و هو ما جعل جبهة البوليساريو تقبل بمسار المفاوضات الذي ابتدأ في سنة 2007 بنية إجهاض المشروع المغربي و هو ما حصل بالفعل بعد 13 جولة من المفاوضات امتدت على مدى سنوات، حيث قال “امحمد خداد”: “دخلنا في هذا المسار نظرا لميزان قوى قاهر، لأنه على كل حال من لا يأخذ بعين الاعتبار الوضع الجهوي و الوضع الدولي سيخطأ، لأن مهمته هي أن يسير بالقضية الوطنية إلى شاطئ النجاة. يجب أن يكون غير مغامر و يعرف كيف يصل إلى النتيجة المرجوة“.
بعد ذلك انتقل “امحمد خداد” ليركز على ورقة الضغط الجديدة التي أضافتها الجبهة لأوراق انتفاضة الاستقلال و حقوق الإنسان، و هي ورقة “القضاء و القانون الدولي”. و في هذا الصدد قال : “أن الورقة المستمدة من التجربة الفلسطينية تروم وضع شكايات ضد المحتل المغربي خاصة لدى المحاكم الأوربية في مجالات حقوق الإنسان و استغلال الثروات الطبيعية بهدف جمع ترسانة من الأحكام القضائية سيتم استغلالها لعزل المغرب على المستوى الدولي و ذلك بنسف اتفاقياته الاقتصادية و السياسية مع الدول الأوربية و دفع هذه الأخيرة لفرض عقوبات عليه لإلزامه باحترام الشرعية الدولية و الالتزام بمضامين القانون الدولي“.
و من بين الخطوات التي تمت في هذا الإطار، ذكر “امحمد خداد” بقضية مرفوعة أمام المحكمة الأوروبية بلوكسمبورغ تخص استيراد شركات أوروبية لمنتجات فلاحية مصدرها الصحراء الغربية، و أخرى قامت بها “الكنفدرالية الفرنسية للمزارعين” ضد شركة فرنسية تنتج و تصدر منتوجات زراعية بالداخلة، و ثالثة مرفوعة من طرف لجنة التضامن في بريطانيا ضد الحكومة البريطانية بخصوص المنتوجات المستورة من الصحراء الغربية، بالإضافة إلى مقاضاة الجبهة لـ”منتدى كرانس مونتانا” لأنه كتب أن مدينة الداخلة التي نظم فيها دورته الأخيرة هي مدينة مغربية، و الحكم الصادر عن المحكمة الاسبانية العليا في 2014 بخصوص قضية الشهيد في اكديم ازيك “بابي الكركار”، الذي يحمل الجنسية الاسبانية، و الذي يقول أن الحكومة الاسبانية هي القوة المديرة قانونيا للإقليم الصحراء الغربية، و كذا الحكم الصادر في أبريل 2015 باسبانيا بعد اكتشاف المقابر الجماعية بمنطقة أمگالا.
و خلص “امحمد خداد” إلى أن جبهة البوليساريو تتقدم و تجمع أوراق الضغط لأن “هذه ليست قضية سرعة، بل قضية صبر و عطاء و صمود لنتقدم في مجال حقوق الإنسان. فحتى إن لم يتم تخويل المينورسو مسألة مراقبة حقوق الإنسان، فعلى الأقل المفوضية السامية لحقوق الإنسان جاءت إلى المنطقة و ستقدم تقريرها مما يجعل الموضوع مطروحا أمام مجلس الأمن الدولي “، قبل أن يصرح – ساخرا- بأن للمغرب أيضا أوراق “فهو يستغل دائما الخدمات التي يقدمها للغير؛ عندما قامت الحرب في اليمن بعث بجنوده للموت هناك حتى تغدق علية السعودية بالأموال، و عندما قامت داعش أرسل بجنوده هناك أيضا، و يهدد أوروبا بالهجرة السرية إن لم تقدم له مساعدات، و كذا الحشيش الخ. لكن ورقته التي يستعملها هي أنه يقول أنه مسيطر على الأرض و دورنا نحن هو أن نظهر أنه لا يسيطر على الأرض و ذلك بالمظاهرات“.
إن ما غاب عن “امحمد خداد” أو حاول تغييبه هو أن المناورات التي يعيبها عن المغرب كمشاركته في الحرب على “داعش” و في اليمن، هي التي أفشلت مخطط البوليساريو لعزل المغرب على المستوى الدولي؛ فبانخراطه منذ سنوات إلى جانب الدول الكبرى في محاربة الإرهاب حصل المغرب على صفة حليف استراتيجي داخل حلف شمال الأطلسي، و هو ما يعني استفادته من تجربة الجيوش الكبرى في العالم و من الولوج إلى أحدث الأسلحة في الوقت الذي سمح له انخراطه في محاربة الهجرة السرية و عقده للعديد من اتفاقيات التبادل التجاري الحر من تمتعه بشراكة اقتصادية متقدمة مع الاتحاد الأوروبي.
كما أن وقوفه إلى جانب دول الخليج و مشاركته في الحلف السني ضد المد الشيعي جعله يحضى بدعم هذه الدول اقتصاديا و سياسيا، على عكس الحليف الجزائري الذي دعم أنظمة ديكتاتورية ضد شعوبها في ليبيا و سوريا و يلاقي مشاكل متزايدة في تطوير اقتصاده و تأهيل موارده البشرية رغم إمكانياته البترولية الكبيرة، و هي السياسة التي جعلته معزولا على المستوى العربي و وقفت دون استفادته من أية امتيازات مع أوروبا ليبقى الامتداد الإفريقي النقطة الوحيدة لفخر الدبلوماسية الجزائرية رغم أن إفريقيا لا تتمتع بأية قوة سياسية أو اقتراحية على المستوى الدولي.
لكن أهم نقاط القوة التي يتمتع بها المغرب حاليا و التي تجاهلها “امحمد خداد” هي تطبيقه للجهوية الموسعة التي قسمت أرض الصحراء الغربية إلى جهتين هما جهة الساقية الحمراء و جهة وادي الذهب، و التي أعطت للنخب الصحراوية المنتخبة في اقتراع 04 سبتمبر 2015 صلاحيات واسعة، و هو ما اعتبره متتبعون صيغة لتطبيق الحكم الذاتي من جانب واحد.
الأكيد أن المغرب سيدفع بهذه النخب للمشاركة في المفاوضات القادمة مع جبهة البوليساريو و هو ما سيضع وفد الجبهة المفاوض في وضعية الحرج بالنظر إلى كون نظرائهم من الجانب الآخر هم أيضا صحراويون ينتمون إلى عائلات عريقة عاشت و تعيش على أرض الساقية الحمراء و وادي الذهب، في الوقت الذي يتشكل فيه وفد البوليساريو من أغلبية تنتمي إما إلى القطر الموريتاني الشقيق أو عاشت و تعيش على أرض الجزائر كما هو الشأن بالنسبة لـ “امحمد خداد” نفسه، الذي دفع به الجزائريون إلى تقلد مناصب حساسة داخل قيادة البوليساريو بعد تجربة ناجحة في قيادة جهاز الاستخبارات العسكرية التابع للبوليساريو سنة 1989.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم