بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
كنت أعلم بأن لقيادتنا قدرة خرافية تسمح لها بالمشي دون حرج فوق قلوبنا و هي عائدة من أكبر هزيمة في تاريخ القضية الحديث، و كنا جميعا على يقين بأن هذه القيادة ستنفض الهزيمة على ثيابها و تدخل لتجلس بالكراسي و تحكي القصاصات الفارغة و تضحك من الأحاجي اليائسة و تأمر بالمزيد من العطايا للمناضلين الذين أبدعوا لنا تلك الهزيمة، لكن ما لم نتوقعه أن تهين شعائر الحزن بالقلوب الموجوعة للصحراويين و أن لا تحترم المسافة الزمنية التي تبيح لنا نسيان نكبة القضية بالأمم المتحدة و هي تعد لهزيمة أخرى.
ذلك أن القيادة دائمة الغياب عن القضايا التي ترسم منعطفات العالم الحديث، كما هو الحال برئاسيات فرنسا التي عاشت نهاية أسبوع هوليودية نحن معنيين بنتائجها، لأن لنا جالية صحراوية لا يمكن أن ننسى أثرها بفرنسا و نذكر القيادة بمخيم الطلبة الصحراويين تحت قنطرة “سان جان” و ليس فقط هذا السبب ما يجعل القيادة تهتم لأمر الانتخابات الرئاسية بفرنسا، بل أيضا لأن قرارات فرنسا كثيرا ما تشقينا و تتسبب لنا في الكوارث، و متابعات التغيرات داخل مؤسساتها الحاكمة أمرا واجب الحدوث في دبلوماسيتنا.
غير أن القيادة التي عودتنا على الصوت النشاز في معزوفاتها الدبلوماسية و السياسية، فظلت الانشغال بتجييش كل ما يمكنها و ما لا يمكنها من أجل الصراخ في قضية معتقلي اكديم إيزيك الذين سبق و أن تحدثنا عن قضيتهم المحسومة سلفا من طرف المحتل المغربي، و أيضا لأن العدو يريد بها تلميع زجاج نوافذه أمام المنظمات الحقوقية و هذا لا يعني أنه سيمنحهم البراءة… بل سيجعل إعادة محاكمتهم انجازا عظيما تكتب فيه المعلقات و تنجز لأجله التحقيقات، و سيعاود توزيع السنوات الطوال على المعتقلين إن لم يضاعفها لأننا منحناه ذريعة لتصحيح ما يراه الرأي العالم المغربي تساهلا قضائيا يخدم المصالح السياسية.
و نحن في هذا الحال كالتاجر الذي أراد خداع الأعرابي الفلاح عندما باعه بئرا، و لما أراد الأعرابي سقي حقله اعترضه التاجر و قال له: “لقد بعتك البئر فارغا و إن أردت الماء ما عليك غير دفع مقابله”، فاحتكما إلى قاض ذو دهاء، و بعد أن نظر في قضيتهما أمر التاجر بأن يخرج الماء كله من البئر أو يدفع للأعرابي ثمن إيجار البئر لتخزين الماء… ليجد التاجر نفسه ضحية مكره، و هو ما حدث مع قيادتنا التي أرادت أن تكون المحاكمة مدنية و ليست عسكرية لكن موضوع المحاكمة هو نفسه و هي ترائي بها أمام الشعب الصحراوي و كأنها فعلت المعجزة، و ما كان من العدو غير القبول لأنها منحته فرصة لمراجعة الأحكام و أيضا لتصحيح صورته الإنسانية أمام المنظمات الدولية.
نعود إلى انتخابات فرنسا الرئاسية و بالضبط إلى أمر يكاد يمر دون حديث أو نقاش، و هو تصادف وجود ملك المغرب مع نجاح “ماكرون”، و أيضا تلك الجلسات التي عقدها مع الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته “هولاند” و لم يدع لها سرا، و هي الأمور التي تحتاج منا الكثير من التأني و نحن نقرئها لأننا سمعنا كلاما عن زيارة يقوم بها الرئيس الفرنسي الجديد “ماكرون” لأول دولة ستكون للمغرب و هذا أمر لا يبشر بالخير أبدا، خصوصا و أن العدو حقق انتصاراته الكبيرة مدعوما بالفيتو الفرنسي في حقبة كان حكامها هم الاشتراكيين، و القياس يقول بأن الاشتراكيين لا يمكنهم أن يقدموا الولاء لغير الاشتراكيين و أن الحليفة الجزائر بنظامها الاشتراكي لم تتمكن من التواصل بشكل جيد مع “هولاند” حتى في أوج الأزمة بين الرباط و باريس، فيما العدو تمكن جعل فرنسا تخدمه في الأمم المتحدة و خارجها، فماذا لو أن ساكن قصر الإليزيه صديق حميم للرباط؟
على القيادة أن تعلم بأن التفاصيل و تشعب العلاقات الشخصية و المصالح هي المسؤولة عن تحديد الهزائم و الانتصارات، و أن تجاهلها يجعل التراكم السلبي للأحداث يسير بالقضية إلى المهالك، حيث كان الأجدر بالقيادة و هي تدرك أن الرئيس الجزائري -شفاه الله- لا يستطيع أن ينتقل إلى فرنسا لمتابعة تلك الانتخابات عن قرب، و أن النظام الجزائري اختار الحياد في صراع الإيليزي، و هو الحياد الذي لا يجلب غير السلبية في المواقف.. كان على هذه القيادة أن تصدر بيانا و لو صغيرا تهنئ فيه الرئيس الفرنسي الجديد، لأن الأعراف الدبلوماسية تحتفظ كثيرا بمثل هاته المواقف.. لكن قيادتنا أضاعت في خضم مشاكلها الداخلية النباهة الدبلوماسية.. فلنحدثها على المعتقلين لأنه حديث أسهل و أقل تعقيدا.