بـقـلـم : بن بطوش
بعدما نجحت فرنسا في تحريض البرلمان الأوروبي و تأليبه على النظام المخزني في قضية حقوق الإنسان، و هو الموقف الذي وسع الشرخ بين باريس و الرباط، بقينا نترقب في صمت و بشوق كبير صدور التقرير السنوي الأمريكي لحقوق الإنسان، كي يعزز الموقف الفرنسي بالبرلمان الأوروبي و يزكيه، و حتى نحصل على منفذ إلى التعاطف الأمريكي…، لكن الأماني جفت و نحن نفتح صفحة التقرير الأمريكي الحقوقي على موقع وزارة الخارجية الأمريكية، و الذي تتوسطه خارطة دمجت فيها ربوع الصحراء الغربية ضمن المملكة المغربية، و لا وجود لخط أو خيط أو إشارة تميز بين الصحراء الغربية و باقي أراضي المحتل…، و حتى دون أن نقرأ تفاصيل التقرير فهمنا من الصورة أن دار لقمان ستظل على حالها، و أنه لا مصرخ لآلمنا في المخيمات.
و الحقيقة أننا كنا ننتظر أن يهب التقرير الأمريكي بما تهواه أشرعة أمانينا، حتى نصيح في الشوارع:”هرمنا من أجل هذه اللحظة”، و حتى نتحمل دجل البيت الأصفر المارق و هو يزف لنا التقرير كإنجاز نصر لا خيبة بعده، لكن بعد ما نشر على منصة الخارجية الأمريكية سنقول – و نحن نضطجع على أعقابنا متخفين في البيوت- أن الفرح فاتنا و لن نقول “هرمنا” من أجل هذه اللحظة التاريخية لأننافي الواقع “هُزمنا” و أذاقنا المحتل – مرة أخرى – علقم المهانة، و إن كان طعمها لم يعد غريبا على مشاعرنا.
لكن ما يجب أن يعلمه “هنتاتة” البيت الأصفر المنقوع، أنه ما عاد في أعمارنا متسع للهزائم، و أن أمانينا شاخت و هرمت و لم يكتب لنا اللقاء في موعد مع النصر، و لا أظنه قريبا من هذا الشعب الكريم المهان مرتين؛ الأولى عندما قبلنا اللجوء عن طواعية فكان خيارا تاريخيا و جغرافيا و سياسيا و اجتماعيا و إنسانيا ظالما و قاهرا، فلا أحد من الشعوب هرب من وطنه و حقق الانتصار، و الثانية بأننا أحرقنا سبل العودة إلى أرض الأجداد، و قطّعنا أوصالنا من جذورها بعدما قلنا إما كل الوطن أو الشهادة،… و ها نحن في طابور طويل، نُقتاد فرادا و جماعات إلى الأراضي المحرمة كي يقتص منا الشيطان “يعني”، و يروي همجيته و يمنحنا الشهادة المزعومة المثبتة أسبابها تحت جناحيه (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، فنتحول إلى رقم يرقد بسلام في سجلات بحقيبة دبلوماسي صحراوي، يخرجها كلما وسوس له هنتاتة الرابوني ليتهم المحتل في دمائنا المراقة.
نحتاج إلى دبلوماسي بوزن الجبال حتى إذا وطأت قدماه عاصمة غيرت قرارها، كما يفعل “بوريطة” بابتسامته الباردة، فكلما طار هذا الأخيرإلى واشنطن إلا و وضع قصر المرادية يده على قلبه و أستدعى الرئيس “تبون” صحافة الداخل و الخارج ليلمح إليهم أن الحرب على بعد اجتماع سيعقده مع قائد الجيش؛ ذلك أن “بوريطة” نزل ضيفا على صقور البيت الأبيض – دون سبق إعلان و دون أن تضم أجندته أي سفر إلى واشنطن- و كلنا يعلم أن برمجة لقاء مع القيادات الأمريكية ليس متاحا لأي كان و ليس أمرا للتسلية الدبلوماسية أو للمساومة.
فقد نزل “بوريطة” هناك بمعية فريق دبلوماسي جزءه الأكبر خبراء علاقات دولية و أمنيين…، و ظلت لقاءاته في العاصمة الأمريكية – طيلة يومين- تحظى بالسرية و التكتم الشديد، خصوصا لقائه مع المستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي، “جيكي سوليفان”، و أيضا لقائه بمنسق سياسات أمريكا في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا، “بريتم كوك”، الذي يتابع عن قرب تطورات السلام الموقع بين الرياض و طهران برعاية بكين…، و الملاحظ حسب وسائل إعلام مغربية و حتى فرنسية، أن الزيارة التي قام بها كبير الدبلوماسيين المغاربة إلى واشنطن، استدعتها الضرورة الملحة، و لم تكن مدرجة في أجندات النظام المغربي، و لم يسبق الإعلان عنها و لم تتسرب أي مضامين عن فحواها، عدا التغطية الإعلامية للقاء وزير خارجية أمريكا “بلينكن” بـ “بوريطة”، و الذي تبادل فيه الطرفان عبارات المودة و المحبة و الاحترام.
حتى اللحظة، جميع المعطيات تقود للقول أن الزيارة تروم محاولة الرباط دفع أمريكا إلى ممارسة الضغط لكبح الأنشطة الجزائرية السرية، و تعطيل محاولات الجزائر إنتاج مسيّرات جديدة بالاستعانة بمهندسين و خبراء إيرانيين، بغرض إحياء مشروع قائد الجيش الراحل ” أحمد القايد صالح”، و هو المشروع الذي كان مشتركا بين الإمارات العربية و الجزائر و أثمر عن بداية تصنيع لمسيرات، أطلق عليها “الجزائر 52″، لكن تخلي الإمارات العربية عن المشروع حول تلك المسيرات إلى لعب أطفال، خصوصا و أن نظام الملاحة العنكبوتي لمسيّرة “الجزائر 52” كان يعتمد على تكنولوجيا اقتنتها الشركة الإماراتية من إسرائيل.
و بعد تخلي الشركة الإماراتية أصبحت تلك المسيرة تعتمد فقط على الإشارة اللاسلكية الأرضية و بمدى طيران لا يتجاوز الـ 10 كيلومترات على مستوى جد منخفض، الشيء الذي جعل الجزائر تجمد مشروع تصنيع تلك عن المسيّرة، إلى أن قرر قائد الجيش “شنقريحة” بعد عودته من فرنسا و فشل صفقة انتاج مسيّرات فرنسية فوق التراب الجزائري، التواصل مع الجيش الإيراني و تطعيم مسيّرات “الجزائر52” بتقنيات إيرانية و التي تعتمد في عملية ملاحتها على أنظمة تواصل رادارية ذات مدى متوسط، لعدم قدرت إيران – حتى الآن- على إنتاج نظام ملاحة بالأقمار الصناعية، مع العلم أن جميع المسيرات الفتاكة في العالم، باستثناء الصينية، تعتمد نظام ملاحة جوي عنكبوتي إسرائيلي، بما فيها المسيرات التركية و الأمريكية. و هذا النظام المنقسم إلى جزئين؛ “تحكمي” و “ذاتي”، و هو الأقوى حاليا و يحقق التفوق، و تعقيداته تفسر عجز موسكو عن تطوير مسيرات تضاهي الأمريكية و التركية و الإسرائيلية.
التسريبات المتوفرة حتى الآن تدمج بعض الأخبار التقليدية مع أخرى بغاية الخطورة، و تفيد بأن الجزائر تطور مسيّرة جديدةعلى يد خبراء إيرانيين و ستطلق عليها إسم “الجزائر 62” و ستكون من ثلاثة نسخ و بمهام مختلفة (استطلاعية/تجسسية و قتالية/حربية و تشويشية/الكترونية) ، و هذا خبر من الطبيعي أن يفرحنا كشعب يناضل من أجل استقلال وطنه رغم حساسية المشروع، لكن الجانب السري و المظلم – حسب التسريبات- هو اعتماد الجزائر على الخبراء الإيرانيين في هذا المشروع، حيث تؤكد المصادر المسربة للخبر أن قبول طهران إرسال خبراءها إلى الجزائر جاء بعد قبول قصر المرادية شرطين فرضتهما إيران؛ أولهما مساهمة الجزائر ماليا في المشروع الإيراني لتسريع إنتاج الكعكة النووية و تفجير طهران لأول قنبلة ذرية صفوية فارسية شيعية، و الثاني إرسال الجزائر لقوات أمنية تساهم في إخماد مظاهرات الشعب الإيراني المتواصلة حاليا و التي لم تبرد نارها بعد.
و ما يؤكد هذه التسريبات، هي التطورات الأخيرة في العلاقات بين المغرب و أمريكا، من جهة، و الجزائر و أمريكا، من جهة أخرى، حيث أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية يوم 6 مارس الماضي إلى الجزائر، “بوني دنيزجنكينز”، نائبة كاتب الدولة الأمريكي المكلفة بمراقبة الأسلحة وشؤون الأمن الدولي، من أجل تحذيرها من التورط بالمساهمة في تطوير برنامج نووي إيراني غير سلمي، و أيضا من أجل تنبيه حكام الجزائر إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية ستشهر في وجه بلادهم العقوبات في حال استمروا في التعاون عسكريا مع طهران و زعزعة استقرار المنطقة.
و لكي تمنح واشنطن حلفائها بشمال إفريقيا و الساحل، ضمانات أنها تراقب الوضع و تتحكم به، فقد أعلنت الإدارة الأمريكية بعد زيارة قائد الجيش الأمريكي إلى الرباط، بأنها ستنقل مقر قيادة قوات “الأفريكوم” إلى المغرب، غير أنه – و إلى حدود اللحظة- لم يتأكد إذا ما كانت الجزائر قد تراجعت عن المساهمة في تمويل البرنامج النووي الإيراني أم أنها لا تزال مستمرة في ذلك، لذلك فالوضع الحالي بين الجزائر و المغرب ينذر بالأسوأ، و يبدو أن الرباط تراهن على توريط الجزائر أمام المنتظم الدولي في عمل عسكري، من أجل الحصول على الذريعة الكافية للتوسع شرقا و لطمس القضية الصحراوية نهائيا…، و إلى أن يهدأ الوضع و تزول أسباب الحرب بين الجارتين اللدودتين، أقول لكم لقد “هُزمنا”…، رمضان كريم.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك