بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
تقول العبرة أن الأمور قد لا تبدو كما نراها دوما، و الشكل قد يناقض المضمون و الدليل أن الأديب الكبير “نجيب محفوظ” قال “ليس كل من يكتب عن الحب محب، فالسجين أكثر كتاباته عن الحرية”، و أضيف على ذلك الكلام أنه ليس كل من يتحدث عن الثورة بثائر، و ليس كل من يلبس بزة عسكرية هو بالضرورة مقاتل، فقد يكون مجرد “فاشينيست” يرى في البزة صيحة لموضة جديدة تعبر عن السلام و الحب أكثر من تعبيرها عن الثكنات و الحروب…، و إني أرى الأخ القائد “إبراهيم غالي” منذ أن بدأ يلعب دور الدبلوماسي و السياسي أصبح الرجل الأكثر توفيقا في تجسيد روح هذه المقاربة.
حضرتنا الذكرى 47 لاندلاع الكفاح المسلح و تكاد تتحول بفعل فاعل إلى أكبر عرض في منطقة الساحل و الصحراء للأزياء العسكرية، لولا تدخل “كوفيد-19″، الذي فرض على الجميع الاكتفاء بمشاهدة الأخ القائد الذي عثر أخيراعن بديل للسلفيات، و هو يقرأ أوراق الخطاب و على غير عادته يتوقف عند بعض الكلمات و كأنه يتساءل عن سبب إدراجها في نص الخطاب، مما يدفعنا للتساءل معه أيضا عن الجهة التي سلمته الخطاب ليقرأه، خصوصا و أن الخطاب جاء مختلفا عن سابقه و جاء أكثر غضبا و أكثر جرأة على المنتظم الدولي و قصف بلا هوادة المحتل المغربي.
في البداية و قبل الخوض في تفاصيل الخطاب و البحث عن أسرار الجرأة التي ظهرت على الأخ القائد، نعود لوضع قراءة للديكور الذي أراد أن يظهر به زعيمنا و هو يخطب على طريقة الراحل “كاسترو” للمرة الثانية، و يمارس دور الرئيس – الديكتاتور في خطاب أراد به البيت الأصفر تأكيد بعض التفاصيل التي جاءت في خطاب أبريل، أو ما عرف حينها بـ “خطاب كورونا”، حيث احتفظ الأخ القائد بحوالي 95% من مشهد مكتبه المؤثث بعلم الإتحاد الإفريقي على اليمين و علم جمهوريتنا على اليسار، في إصرار منه على أنه يوجه خطابا قاريا و يخص حتى شعوب القارة المقهورة، رغم أن 90% من شعوبها لا يعلمون عن القضية أي شيء، اللهم الأنظمة الحاكمة الموزعة بين طرفي النزاع، و 100% منهم لا يلتقطون موجات التلفزيون الصحراوي ليستمعوا لخطاب الأخ القائد.
و فيما يشبه لعبة ملاحظات، أراد الأخ القائد أن يدخلنا إليها في خطابه الثاني، حيث عدل “الهنتاتة” بعض التفاصيل في مشهد مكتب فخامته، ليجعلوا المتتبع يبحث عن أوجه الاختلاف بين خطاب كورونا و خطاب ذكرى الكفاح، إذ وضعت الكاميرا على مسافة أبعد بقليل من وضعها في الخطاب الأول، لإخفاء ما عجزت المساحيق الرديئة لـ “ماكيوز” التلفزيون عن ستره، بعد أن أدت أخطاء مصور الخطاب الأول لإظهار الرئيس و هو في سن اليأس القيادي، كما بدت فتحة سترته أكبر هذه المرة بعدما أصاب الهزال منكبيه، ثم اختفت إحدى الكرات الثلاث من فوق مكتب فخامته، و اختفت المقلمة التي كان بداخلها قلما حبر واحد أسود و آخر أبيض، و اختفت الأيقونة الصغيرة للعلم الصحراوي التي كان يضعها السيد الرئيس فوق جيب سترته العسكرية، و لم تظهر ساعة يده اليسرى، و بالمقابل لم يضف الهنتاتة أي أثاث آخر، ليخلد به ذكرى الخطاب،… الاختلاف بين الخطابين ذكرنا بحال القضية التي بدأت قوية و مكتملة و كلما مر عليها الزمان إلا تناقصت….
كانت أوراق الخطاب كثيرة، و كثر معها أخطاء القراءة أيضا، و لأن الرجل يوصف بين قادة البيت الأصفر بكونه شفهي حد المبالغة و ملما باللغة العربية، و أنه إبن المدرسة “البومديانية” التي أرادت تعريب أنظمة التعليم في الجزائر و حاربت لغة “موليير”، كان من الطبيعي أن يقرأ تلك الأوراق بلطف و دون عثرات و لا تلكؤ، و هذا يكفي لنستنتج أنه لم يكتب خطابه و لم يراجعه مسبقا، بل توصل به لحظات قبل تسجيله، و الدليل أنه كان مرتبكا جدا و يحرك رأسه و كأنه موافق على المحتوى، ثم يرفع رأسه بين الفينة و الأخرى إلى مستوى أعلى من الكاميرا و ينظر إلى يساره و كأنه يريد أن يحصل على رضا شخص ما كان خلف الكاميرا ضمن فريق التسجيل.
و أخيرا نجح الأخ القائد في منحنا خطابا جريئا و قويا، يستحق التحليل، حيث قصف دولة الاحتلال بكل النعوت، و كرر كلمة “العدو” عدة مرات و فضل استخدامها على عبارة المحتل التي تعودنا عليها منه، و استغل المناسبة ليوجه اتهامات تقليدية إلى دولتي فرنسا و إسبانيا، و كذا المنظومة الدولية و دعاهم إلى تحمل المسؤولية فيما ستقدم عليه القيادة من قرارات…، و كان يحاول إظهار الشكيمة القوية و هو ينطق تلك التهديدات و الوعيد بصوت قوي، و لم ينسى مناقب الجيل الذهبي للقضية، و توقف عند اسم الربان الأول “الوالي مصطفى السيد”، و لم ينسى نعي آخر فقيد للقضية الراحل “أمحمد خداد”، و أخبرنا عن الملاحم، لكنه نسي أن يعرض أمامنا نتائج ما حققه بكل شجاعة بعد أن استخلفه الشعب الصحراوي على رأس الدولة الصحراوية، و بشرنا بأن طاعون العصر لا دواء له، و أن الحل هو التزام كل المواطنين بالأرض التي هم فيها.
كانت أمانينا كبيرة بأن يفصح عن خطته القادمة، في ظل الدعم الكبير الذي يبديه قصر المرادية للقضية الصحراوية، و أن يقدم لنا كشف حساب فترة حكمه، و أن يعرج على الإنجازات عوض أن يمنحنا قصص ما قبل النوم عن ذكريات المعارك التي حفظناها عن ظهر قلب، لأن الشعب الصحراوي لا يحتاج إلى الحكايات، بل نحتاج إلى استرجاع قناعاتنا و إيماننا بأننا سنحصل على ما وعدتنا به ثورة الـ 20 ماي الخالدة، لأن كل المؤشرات الحالية تدل على أن الوضع في العالم يتجه لتكريس الوضع القائم، و من المستحيل فرض الاستقلال و السيادة اللذان بقيا مجرد شعارات تورث للأجيال.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك