بـقـلـم : أغيلاس
في الوقت الذي تشتد فيه المعركة بين العالم و الفيروس الخطير، و بينما الدول تدفن ضحاياه بالمئات من غير جنائز مهيبة و لا طقوس إنسانية…، وسط هذا الحزن الذي يغرق فيه الكوكب الأزرق، زف الإتحاد الأوربي خبرا إلى دول جنوب الحوض المتوسطي، و قرر أخيرا أن يفتح خزائنه و يدعم الميزانيات و الصناديق الموجهة للحرب ضد طاعون العصر، حيث أعلن الإتحاد الأوروبي في بيان له تخصيص ربع مليار أورو(250 مليون) لدعم دولة تونس في مواجهة الوباء، و أغدق على المحتل المغربي بحوالي نصف مليار (450 مليون) لنفس الغرض.
الرقم المقدم للدولتين المغاربيتين له العديد من الدلالات و يخضع لسلم التصنيف داخل الإتحاد الأوروبي، لأن تخصيص نصف مليار دولار للرباط، و نصف المبلغ لتونس، يدل على أن الرباط لها موقع متقدم داخل الإتحاد الاوروبي، و لها وجود و وزن مؤثر على هياكل هذا التنظيم، و أن الإتحاد يراهن على علاقاته معها لتحقيق توازنات معينة …، فيما تأتي تونس خلف المغرب كدولة تجتهد لتحصل على موقع أفضل في العلاقات مع الإتحاد الأوروبي، بينما جرى -حتى اللحظة- استثناء الحليفة الجزائر من إجراءات الدعم الأوروبي، إلى جانب موريتانيا، و حتى دولة ليبيا التي تستعر في ساحتها المعارك، مما جعل الشعب الجزائري يفتح أبواب التساؤلات و التأويلات عن السبب الذي جعل الإتحاد الأوروبي يستثني بلدهم (حسب جريدة “الخبر” الجزائرية).
المغردون ممن يحسبون على مجال التحليل، و الذين فضلوا نشر تفسيراتهم في الموضوع من بيوتهم عبر تسجيلات مصورة، قالوا أن الشعب الجزائري هو ضحية “البروباغندا” التي يعتمدها نظام بلدهم، و التي تعكس صورة غير واقعية عن الوضع في البلاد، حيث يسوق النظام بأن البلاد غنية جدا، و أنها ليست في حاجة إلى أي مساعدة من الخارج، في وقت تنهار فيه المنظومة الصحية في الجزائر و تتكتم السلطات عن نشر الأرقام الحقيقية التي يقول عنها المدونون أنها مهولة، و أضاف النشطاء بأن الجزائر الآن على حافة الإفلاس بسبب نزول سعر البترول إلى 20 دولار، و عدم امتلاك الجزائر أدوات للضغط على أوروبا عكس المغرب، و أن الجزائر في حاجة اليوم لرفع إنتاجها من الغاز و البترول و التوسل إلى الأوروبيين بعدم خفض الطلب.
بينما المحتل المغربي الذي يمتلك اقتصاد متنوع، و قوي نسبيا أمام الأزمات و الهزات الدورية للاقتصاد العالمي، تمكن بسرعة غريبة من إنشاء ما يسمى باقتصاد الأزمة، بعد توقيف مركبات صناعية ضخمة و منصات إنتاجية دولية و إغلاقه للأجواء و الموانئ، و تحقيقه للاكتفاء الذاتي في إنتاج الخضروات و المواد الأولية الاستهلاكية…، عكس الجزائر التي تستورد حاجياتها من القمح و الخضروات و الحليب و مشتقاته و العديد من المواد الغذائية المكملة، و تستورد أيضا ملياري دولار من الأدوية، و لحدود الساعة لم تستطع اتخاذ إجراءات لجعل الاقتصاد فعال و متأقلم مع الجائحة في ظل الأزمة الحالية، و رغم ذلك فهي تعرض المساعدة على الدول الأخرى كما جرى في الاتصال بين الرئيس “تبون” مع نظيره الموريتاني.
و في جواب على السؤال الرئيسي لماذا استثنى الإتحاد الأوروبي دولة الجزائر، فقد أجاب الخبراء و المتتبعين للشأن الجزائري و علاقاته مع الإتحاد الأوروبي بالقول أن الإتحاد الأوروبي يَعْتبر النظام الجزائري غير كامل الشرعية، و لا يزال يحتفظ بصورة سلبية عن الأسلوب و الذي أدار به الراحل “القايد صالح” المرحلة الانتقالية في الجزائر، بعد استقالة “بوتفليقة” و المحاكمات الانتقامية التي تجري في الجزائر و لا تزال إلى يومنا، ثم استمرار الحراك و الاحتجاجات على تنصيب “تبون” رغما عن إرادة الشعب، بالإضافة إلى مواقف الأخير الأنانية في أزمة ليبيا بعدما أبان بدوره عن جشع هذا النظام و هو يبحث عن حصة من الخام النفطي الليبي، لتصنف أوروبا النظام الجزائري في خانة “النظام غير المرغوب فيه”.
و يفسر العارفون بالشأن الأوروبي و علاقاته مع دول جنوب الحوض المتوسطي منح الإتحاد ربع مليار دولار لدولة تونس، بالدعم المنطقي، لأن الأوروبيين لا يشككون في الديمقراطية التونسية رغم أنها لا تزال جنينية و ضعيفة شيئا ما و تعاني من جيوب مقاومة الموروثة عن نظام “بنعلي”، إلا أن الأوروبيين يرون فيها تجربة تستحق الدعم، و أضافوا إلى الربع مليار، إجراءا آخر يتمثل في رفع حصة الدعم المقدم من الإتحاد للمنظومة الصحية التونسية.
كما فضل النشطاء الجزائريون وضع مقارنة بين وطنهم و المغرب في ميزان النفوذ و الأهمية داخل الإتحاد الأوروبي و باقي التكتلات، إذا أجمعوا على قوة المغرب في تحقيق الاختراق، و التي ظهرت مع انكماش الاقتصاد العالمي، و اضطرار معظم الدول الأوروبية المنتجة و المزودة للسوق الأوروبية بالمواد الفلاحية إلى توقيف إنتاجها بسبب الفيروس و غياب اليد العاملة، مما جعل الإتحاد الأوروبي يطالب من المغرب رفع صادراته إلى دول الإتحاد و دعم السوق الأوروبية بكميات كبيرة، و نفس الأمر بالنسبة لكندا و أمريكا اللذان وجها طلبا للمغرب من أجل رفع حجم صادراته إلى هذه الدول…، و الإتحاد الأوروبي يحاول إغراء الرباط و دعمها بالملايين للحفاظ على تدفق المنتجات بما فيها تلك القادمة من الصحراء الغربية، في ظل المنافسة الأمريكية الأوروبية على صادرات دولة الاحتلال، و بهذا تكون الرباط قد حققت نصرا سياسيا باستغلال الوباء لأجل تمرير موقفها و فرض منطقها على الدول الأوروبية و المنتظم العالمي، و تكييف اقتصادها ليصبح أكثر فاعلية و نفعية، و الدليل أن بورصات العالم تنهار و بورصتي الدار البيضاء و الأرجنتين سجلتا نموا كبيرا و طفرة غريبة.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك