ضغوط أمريكية تدفع بـ”ميلوني” إلى الجزائر من أجل تفعيل إتفاقية 23 جانفيي 2023 لإنقاذ إسرائيل من الصدمة الطاقية… !!
بـقـلـم : بن بطوش
سأل أحد القادة العسكريين في الحرب العالمية الثانية قناصه عن حال قنّاص العدو، فأجابه أنه فاشل… !!، فطلب منه قائده أن يشرح له كيف ذلك؟ فأجابه أن تصويباته غير دقيقة و أن نوعية الطلقات تُسهّل رصده و تحديد مكان اختبائه و أنه رجل لا يجيد التمويه، و لا يُغير زاوية الرماية و يسهل صيده، فغضب القائد و صرخ في وجه قناصه قائلا: لماذا لم تقتله إذن… !!؟، فأجابه: إن فعلت أرسلوا قناصا أفضل منه و هذا سيربك تقدمنا و قد يقتل منا ما عجز عن قتله هذا الفاشل… !!
هذا الحوار من فيلم Enemy at the Gates الذي يؤرخ لمعركة ستالين غراد، بين الجيش الألماني و الجيش السوفياتي…، حضرني و أنا أسمع خطاب قائد الجيش الجزائري “السعيد شنقريحة” خلال مراسيم استقبال التهاني للجيش الجزائري يوم عيد الفطر…، حينما قال كلمة غريبة و غاية في الجرأة، و هو يتهم الكوبوي الأمريكي بممارسة الفوضى بحربه ضد إيران، حيث وصف ما يجري بعودة خيار الحرب و القفز على المنظمات و القانون الدولي و الفوضى…، و هو بهذا الكلام يتهم أمريكا أنها تمارس الإرهاب الدولي و تسقط الأنظمة حسب هواها، و بأن ما فعلته في فنزويلا و إيران و ما يحدث اليوم في كوبا…، هو أمر غير شرعي، و أن على الجزائريين الاستعداد لمواجهة هذا الوضع و التصدي له، رغم أن واشنطن لم توجه إلى الجزائر – حتى الآن- أي اتهامات و لا تعتبر قصر المرادية عدوا كامل الأوصاف للبيت الأبيض، و تلك التصريحات التي أراد بها “شنقريحة” أن يتقمص فيها شخصية رجل الدولة العبقري الاستراتيجي والعميق في تفكيره…، تشبه إلى حد بعيد ما قاله السفير الجزائري في بيروت “كمال أبوشامة” الذي وصف الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بـ “المعتوه”، و هو التصريح الذي تسبب في إقالته….. و اليوم كبير الجيش الجزائري يصف الولايات المتحدة الأمريكية بالدولة التي تنشر الفوضى بخيار الحرب.
نحن لا ندافع عن أمريكا و بطشها، و لكننا نخشى على “شنقريحة” من ردة فعل “ترامب” الذي قال بالأمس –متهكما- أن النظام الإيراني توسَّله ليكون مرشده الأعلى لكنه رفض، و الواضح أن الرئيس الأمريكي يرى في النظام الجزائري صورة لحكاية القناص الألماني الفاشل في معركة ستالين غراد… و هذا أمر جيد، كما أننا هنا لا نضع الإسقاط نكاية في النظام الجزائري، بل هو لشرح مستوى خطورة التصريحات، و لأن الأمر قد يكون له تبعات على القضية الصحراوية مستقبلا، و أيضا لأن ما نشره الإعلام الفرنسي يوضح أن واشنطن أكثر دهاءا مما نعتقد و تتمنى أن يستمر الثنائي “شنقريحة” و “تبون” على رأس النظام الجزائري لأطول مدة ممكنة؛ لأن البيت الأبيض يحول زلات النظام الجزائري إلى فرص ذهبية، ذلك أن الأمر غاية في التشعب و مرتبط بزيارة رئيسة الوزراء الإيطالية “جورجيا ميلوني” التي قال عنها الإعلام الفرنسي أنها ابتزت النظام الجزائري، و هي تتهافت على الغاز الجزائري كي تصبح دولة مصدرة للغاز عبر السمسرة، حتى دون أن تتوفر على هذه الثروة.
المحبط في ما تسرب عن الإعلام الفرنسي، ليس إظهار النظام الجزائري في صورة الدولة الغبية التي تبدر ثرواتها الطبيعية لأجل بضع كلمات من حسناء إيطالية، و لا لوصف “ميلوني” بالرئيسة الجشعة، بل لأن هذه الاخيرة تمارس الوساطة لإنقاذ الكيان العبري من الصدمة الطاقية، بعد أن اضطرت تل أبيب إلى تعطيل حقلي Leviathan بسواحل حيفا و Tamar بسواحل عسقلان، إثر استهداف المسيرات الإيرانية للصهاريج و الأنابيب بالحقلين البحريين، … و اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى تسريح العمال و إفراغ الصهاريج و وقف الإنتاج و الضخ، و الاكتفاء بشراء الغاز الذي ستؤمنه إيطاليا للكيان بعض تفعيل “ميلوني” لبند رفع الصبيب المتدفق عبر الأنبوب الجزائري الذي تضمنته “اتفاقيات جانفيي “2023.
واشنطن ترى في النظام الجزائري ذلك القناص – العدو الذي لديه أسبابه للكره و لكنه لا يمتلك الإرادة للتصرف ضد مصالح أمريكا و حلفائها، و تخونه الشجاعة لترجمة المشاعر إلى سلوك سياسي أو عسكري، و ضعف مواهبه تخدم أهداف واشنطن و حليفها العبري…، و ثمة من سيقول أن “ميلوني” تستغل الاتفاقيات التفضيلية التي مكنها النظام الجزائري منها بخبث، للمساهمة في الحرب على إيران بالغاز الجزائري…، هذا السؤال العاطفي و القومجي يمكن الرد عليه بالقول أن الشقراء الإيطالية التي أعجبت بالسقف العثماني في قصر المرادية، هي سياسية و تخدم الشعب الإيطالي، و ليس الشعب الجزائري من أوصلها إلى الحكم في إيطاليا، و ما تقوم به هو لإرضاء الرئيس الأمريكي الذي توعد أوروبا بردة فعل غاضبة، و ما تفعله “ميلوني” هو لإنقاذ الاقتصاد الإيطالي من ردة فعل أمريكية و لحماية الإيطاليين.
و السؤال الذي يجب طرحه لا يرتبط بتزويد إسرائيل عبر إيطاليا بالغاز الجزائري، لأن هذه الثروة ملعونة أصبحت عبئا على الشعوب، و لم تعد امتيازا…، بل يرتبط بالنظام الجزائري الذي استجاب لـ “ميلوني” دون قيد أو شرط، و هو يعلم أن ما يتم ضخه إلى إيطاليا يكفي الصناعة و الشعب الإيطاليين، و أن أي زيادة في الضخ سيكون غرضه تجاري و ستحقق به إيطاليا أرباحا الأولى أن تدخل الخزائن الجزائرية، و أن يستفيد منها الشعب الجزائري، أو حتى بعدما تمت الموافقة على رفع صبيب الغاز الأنابيب، كان القياس أن تفي “ميلوني” بوعودها التي قطعتها للرئيس “تبون” سنة 2023، و أن تعلن عن نقل جزء من الصناعات الإيطالية إلى التراب الجزائري، كتعبير عن حسن نية، في إطار صفقة الغاز مقابل التكنولوجيا.
و المجحف أن الرئيس الجزائري لم ينجح حتى في انتزاع دعم شكلي من الماكرة “ميلوني” للقضية الصحراوية، و خلال الندوة الصحفية قالت رئيسة الوزراء الإيطالية أنها تدعم الحلول الأممية، و كأنها تقول للرئيس الجزائري أن إيطاليا توجد في أوروبا و أن الإتحاد العجوز يدعم مقترح المحتل المغربي “الحكم الذاتي”، و أن إيطاليا ترتبط مع هذا الإتحاد قلبا و قالبا و إستراتيجيا …، و أنه لا يمكنها أن تغرد بعيدا عن عصافير بروكسيل، و أن أبعد ما يمكن تقديمه للقضية الصحراوية هو أن تتمنى لنا حظا طيبا في المفاوضات الجارية تحت الضغط الأمريكي المرهق، لأن من جعلها تسافر إلى الجزائر هو نفسه الضغط الأمريكي..
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك