بـقـلـم:بن بطوش
قبل ساعات من بداية تحرير هذا المقال، نشرت وكالات الأنباء العالمية بيانا مشتركا بين العربية السعودية و دولة إيران، يعلن من خلاله استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين استجابة لمبادرة من الرئيس الصيني لدعم تطوير علاقات حسن الجوار… هذا الخبر حبس أنفاس العالم و جعل الجميع يقلب كفيه متعجبا من التقارب السعودي/السني- الإيراني/الشيعي، و كيف تمكنت الصين من التأليف بين الجارتين اللدودتين، حتى يعكس لنا الظاهر أنه تقارب للم الشمل و إصلاح خلافات العقيدة و أخطاء التاريخ و الجغرافيا، غير أن عمق هذا التقارب شيء مختلف.
فإيران تعلم أنها على مرمى قرار من البيت الأبيض، و أن الضربة العسكرية ضدها وشيكة جدا، و لا فرصة لها للفوز بالحرب ضد التفوق الأمريكي، و أنها تغامر بأن تتحول إلى عراق آخر في المنطقة، و هي تسعى لمنع أي اجتماع أو تقارب بين السعودية و تل أبيب و واشنطن، و لولا هذا الوضع المحرج ما كانت طهران لتقديم تنازلات بحجم الجبال للرياض،حتى تحصل على هذا الصلح التاريخي، حيث وعدت بتجميد مهام “الحوثيين” في اليمن و وقف مشاريعها التخريبية في البحرين و إنهاء حالة الاحتباس السياسي و الاقتصادي في لبنان…
فيما الرياض تعلم أن التقارب مع طهران سيكلفها علاقاتها مع الإمارات العربية و مع واشنطن و الإتحاد الأوروبي و سيفتح حوار الديموقراطية في البلاد، و ملفات شائكة كقضية “خاشقجي”…، لذلك فولي العهد ” محمد بن سلمان” حاول الالتفاف على الغضب الأمريكي و طلب من البيت الأبيض مساعدات أمنية لتطوير برنامج نووي ذو أهداف مدنية، كمقابل لصفقة تطبيع محتملة مع الكيان الإسرائيلي إرضاءا لصقور البيت الأبيض، و هو الاقتراح الذي يحفظ الحد الأدنى من الود بين مملكة “بن سلمان” الطموح جدا و واشنطن…، ليبقى السؤال هل ستضطر الجزائر لنشر بيان تعبر فيه عن ارتياحها من التقارب السعودي – الإيراني؟ أم أنها ستتعامل مع الحدث بالتجاهل، علما بأن إيران باتت تمتلك أسهما في جيشنا الصحراوي، و تنوي تعويض توقف أنشطتها العسكرية في الخليج باستئنافها في شمال إفريقيا… !!؟
نترك أسرار الشرق الأوسط و نترقب تطور الأحداث هناك، ثم نفتح أسرار شمال إفريقيا التي نحن أدرى بشعابها؛ لأن موضوع المقال بغاية الحساسية، و يحتاج مرة أخرى منك أيها القارئ الصحراوي الكريم أن تركن إلى زاويتك المفضلة و تضطجع (طرّح)، كي تستقر هذه الوجبة المعرفية في عمق وعيك…، و أنت تتأمل منصة المقارنات الاقتصادية بين دول شمال إفريقيا و دولة الاحتلال المغربي، لأننا سنأخذك في البداية إلى حدث لم ينتبه إليه أحد، و جاء ذكره في مجلة أخبار الأمم المتحدة، و الذي يقول أنه بعد اندلاع حرب أوكرانيا و روسيا، عمدت دولة هولندا إلى احتجاز شحنة ضخمة من الأسمدة الفلاحية الروسية تقدر ب 20 ألف طن في موانئها، و كانت السفينة الحاملة للشحنة في ملكية رجل أعمال روسي مقرب من الرئيس “بوتين”…، و بعدما تيقن رجل الأعمال بأن الشحنة لن تعود إليه، قرر مراسلة الأمم المتحدة و أعلن عن تبرعه بها لصالح الدول الفقيرة، لتتدخل الأمم المتحدة و تطالب هولندا بتسليمها و السماح نقلها إلى إفريقيا حيث جرى تفريغها في دولة تنزانيا.
هذه الحادثة أغضبت الكرملين، حيث قرر الرئيس الروسي “بوتين” منع الأسمدة الروسية على الأوروبيين، و كما جاء في مقالاتنا السابقة، فإن الصين هي الأخرى قررت منع تصدير منتجاتها من الأسمدة، لتجد أوروبا نفسها أمام أزمة الندرة في هذه المادة الحيوية للصناعة الزراعية.
انطلقنا من قضية الأسمدة لنفتح باب النقاش حول الكوادر و القيادات التي تصنع الفارق بين الدول، ذلك أن النظام المغربي قبل بالهدية الروسية (امتناعها عن تزويد الأوروبيين) و قرر أن يتحول إلى لاعب رئيسي في الأمن الغذائي العالمي، بعدما فطن إلى أن الأسمدة التي يمتلكها أصبحت تمنحه قوة اقتصادية، خصوصا و أن أثمنة السماد الفلاحي في البورصات العالمية تضاعفت بشكل جنوني، ليقرر استخدام هذا المعطى كسلاح من أجل تطويع المواقف المعادية لأجنداته السياسية في قضية الصحراء الغربية.
و حتى يتمكن من فعل ذلك، فالمحتل المغربي في حاجة إلى كوادر و قيادات و مسيرين من الجيل الخامس، لهم ذكاء تفاوضي و قدرات إقناع كبيرة، و مثلما قلنا سابقا فإن الرباط لديها هذه العينة من الأطر، و أن الدولة المخزنية العميقة تتوفر على كوادر متفوقة جدا، الأمر الذي سيتكشف من خلال المواقف الأمريكية اللاتينية التي أصبحت رهن إشارة الرباط في قضية الصحراء الغربية، بل الأكثر من هذا تمكنوا من إقناع المنظمات الدولية و المؤسسات العالمية التابعة للأمم المتحدة كي تؤمن بقدرات الاقتصاد المغربي، و الدليل أن الرباط تمكنت هذه السنة من إقناع مجموعة العمل المالي لشطبه من قائمة اللائحة الرمادية و الملاذات الضريبة، و تحصل في آخر تصنيف أممي على المركز الثاني إفريقيا، كأقوى اقتصاد صناعي في القارة الإفريقية متفوقا على مصر و نيجيريا، و لا يفرقه عن دولة جنوب إفريقيا غير بضعة نقاط.
نعود بضع سنوات إلى الماضي، حينما كان ملك المغرب يجوب إفريقيا طولا و عرضا، و ينثر أموال الاستثمارات شرقا و غربا، و حينما رأيناه يقرع الطبل الإفريقي في دولة تنزانيا، قلنا أن المغرب فقد البوصلة، و عوض أن يتوجه شمالا صوب العالم الأول فهو ينكص نحو الدول الجائعة في القارة المهزومة، و تابعنا كيف كثف المحتل المغربي استثماراته في منصات لإنتاج الأسمدة و التي أنفق عليها ملايير الدولارات، و شارفت تلك الاستثمارات على غلاف مالي قدرة 10 ملايير دولار…، حينها قال “الهنتاتة” في المخيمات و “الشبيحة” الإعلامية في دولة الحليف الجزائري ممن ينظرون إلى الوقائع من زاوية الفشل، أن المغرب انتهى و أنها قاصمة الظهر للاقتصاد المغربي الذي سيتحمل تبيعات استثمارات فاشلة، و أن تلك الأموال سيفقدها المخزن إلى الأبد، و ستكون سببا في نشوب ثورة جياع في المغرب قد تعصف بالأخضر و اليابس…
حينها قلنا عبر مقالات استشارية للبيت الأصفر النائم، أن المحتل ربما يمتلك أسرارا استراتيجية و أنباءا من المستقبل، و أن تلك التحركات تبدو مدروسة و مخطط لها بإحكام، و أنه يسعى لتعويض القوى الاستعمارية اقتصاديا في إفريقيا…، و بعدها بسنوات قليلة أصدرت المعاهد الاستراتيجية و مراكز التقويم الاقتصادي و الاستشراف، تقارير تخبر أن المستقبل سيكون في إفريقيا، و أن العالم سيضطر للخضوع إلى هذه القارة، و عندما ضرب طاعون العصر التاجي دول الكوكب الأزرق، بدأنا نرى نتائج تلك الاستثمارات، و نسمع عن التفوق المغربي الذي جعل أوروبا تشعر بالغيرة من تدابيره، و شاهدنا كيف جنبت تلك المنصات التي تنتج الأسمدة قارة إفريقيا من المجاعة…، فهل سمع أحدكم بحدوث مجاعة في إفريقيا منذ أن استثمر المحتل المغربي في منصات إنتاج الأسمدة داخل العمق الإفريقي…؟
سمعة الرباط داخل أفريقيا أفضل من سمعة فرنسا و بكثير، و هذا نجاح باهر يصعب التغاضي عنه، و بعد حديثنا عن المحتل نصل إلى الطرف الثاني من منصة المقارنات، كي نفهم أسباب الفشل التي خيمت على المخططات المصرية و الجزائرية و التونسية، و نستثني ليبيا لأن حالها يشرح كل شيء؛ فمثلا في دولة مصر جميع القروض التي حصل عليها الرئيس “السيسي” كانت موجهة لخلق الرفاهية و تحسين المشهد البصري بمدن مصر، و وجهت لخلق عاصمة جديدة، و مد قناطر عملاقة و خلق وديان صناعية، لكن أهملت البنية الصناعية و الفلاحية و الخدماتية… في عمليات توجيه الاستثمار، بمعنى أن الذي أشرف على التخطيط لم يكن استراتيجيا دقيقا، و لم يضخ الأموال لتحسين التطور المالي للبلاد، لأن مصر لم تحقق أمنها الغذائي و لا تزال صناعتها غير نفعية و غير مذرة، و تجارتها مرتبطة بالمنتجات الصينية المصنعة أو نصف المصنعة.
لهذا فإن نموذج مصر لا يعتبره الأفارقة قابلا للتسويق، فيما المثل الجزائري هو الأغرب على الإطلاق، لأن الحليف دولة تتجاوز عائدتها من الغاز الـ 50 مليار دولار، فيما نفقاتها تصل إلى 61 مليار دولار، الشيء الذي يطرح أكثر من علامة استفهام، أين تنفق تلك الأموال؟ مع العلم أن الإنسان الجزائري يقضي يومه متنقلا و يقاتل بين زحام الطوابير التي لم نراها حتى في أوكرانيا حيث تستعر الحرب و لا في اليمن الجريح…، بدءا من طوابير الحليب إلى السميد إلى الخضروات إلى القطاني إلى المواد الاستهلاكية الأساسية كالزيت و السكر…، و ينهي يومه بحجز رقم ليوم غدٍ،استعدادا لأطول طابور في العالم أمام مصرف بريد الجزائر من أجل سحب راتبه الشهري.
هذا الوضع يقودنا لتساؤل إضافي حول سبب عدم تمكن الجزائر من حفظ كرامة المواطن و خلق شركات تنتج تلك المواد التي يفتقدها السوق الداخلي و منع الاحتكار، خصوصا إذا علمنا أن غلاء الأسعار في الجزائر تعدى أرقام الأسعار في أوروبا، إذ وصل ثمن البصل 185 دينارا (حوالي دولار و نصف)، و ثمن اللوبيا 600 دينارا(حوالي 4.5 دولار) و الأكثر من هذا لماذا لا تمتلك الجزائر على الأقل إقتصادا تحويليا أو تجاريا مذرا للقيمة المضافة؟ و لماذا ليست لها صناعة أو فلاحة كما هو في دولة الاحتلال المغربي؟ ثم لماذا لم يرى برنامج الرئيس ” تبون” الإنتخابي النور بعد؟ !!!
الريع الجزائري الذي أدى إلى فشل التنمية بكل برامجها في هذا البلد العزيز على قلوبنا كصحراويين، يحتم علينا فهم أسباب النجاح في بلاد من يحتل أرض وطننا، و حين نحكم على التجربة الاقتصادية المغربية بالنجاح، فهذا ليس رأيا صحفيا يخصنا بل هي نتيجة علمية، نطقها رؤساء الدول كما جاء على لسان الرئيس النيجيري، الذي يعاني هذه الأيام من ضغط داخلي رهيب من أجل تسريع وتيرة إنجاز المشروع الفرعوني “أنبوب الغاز المغرب – نيجيريا، و أيضا يؤكده ما جاء في الندوة الصحفية لمندوب الإتحاد الأوروبي لسياسة الجوار و التوسع الذي قال يجب توسيع و تعميم التجربة الاقتصادية المغربية الناجحة.
لكي تجعل قيادات من هذا الحجم تعترف بنجاحك الاقتصادي كنموذج، فهذا يتطلب نتائج ملموسة على أرض الواقع و يتطلب قيادات تتقن فن التأثير على الآخر، و تكفي الإشارة إلى أن المغرب لم يعد يقارن بدول إفريقية، بل حضرت مناظرة أوربية على مواقع التواصل قال خلالها مفكرون أن طرق المغرب أفضل من طرق إيطاليا، و أن مطارات المغرب أفضل من مطارات فرنسا، و أن محطات القطار بالمغرب تفوقت على محطات القطار الإسبانية و أن الموانئ المغربية أصبحت أفضل من موانئ بريطانيا و هولندا…، و أن مشاريع الصحة في المغرب بإنشاء مستشفيات عملاقة من الجيل الرابع ستحدث ثورة حقيقية…، و أن المشكل الوحيد الذي يشتغل المغاربة لحل لغزه هو قضية التعليم…، و حين ينهي هذا الملف سيكون على دول العالم أن تؤمن مكان للرباط ضمن صفوف دول العالم الثاني، و الأقرب إلى الرجحان، أن يحدث هذا خلال مونديال كرة القدم لسنة 2030.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك