بقلم: مراسل من اسبانيا
لا ينكر أحد من أن برنامج “عطل السلام” يعتبر المتنفس الوحيد للأطفال الصحراويين للهروب من أجواء فصل الصيف الخانقة بمخيمات تندوف، و فرصة بالنسبة لمن هم في أمس الحاجة إلى إجراء فحوصات طبية و العلاج بإحدى المصحات في الخارج، وهو الأمر الذي يتعذر على القيادة الصحراوية توفيره لجميع أبناء الأسر المعوزة بالمخيمات، و لهذا الغرض يتم إرسال هؤلاء الأطفال في كل سنة إلى مختلف المدن الاسبانية لقضاء عطلة الصيف مع إحدى العائلات الاسبانية المضيفة.
لكن عندما يكون الشغل الشاغل للقيادة الصحراوية و الجمعيات المتضامنة مع الشعب الصحراوية هي التجارة في معاناة هؤلاء الأطفال الأبرياء و استغلالهم لأغراض سياسية، فإنها بذلك تنأى عن الأهداف الإنسانية النبيلة التي أدت -عن قصد أو غير قصد- الى الانهيار التدريجي لهذا المشروع الإنساني، زد على ذلك سوء التدبير و عدم كفاءة ممثل الجبهة باسبانيا في كيفية التعامل مع قضية جد حساسة تتعلق بحالات تبني الأطفال الصحراويين و ما يتعرضون له من استلاب ثقافي و ديني عندما يتربون في كنف أسر أجنبية بعيدا عن أسرهم البيولوجية.
فإهمال كل تلك المعطيات التي أشرنا إليها و عدم محاولة معالجتها من الداخل كان له الأثر السلبي على جودة برنامج عطل السلام و حتى على القضية الوطنية في الشتات، و الشاهد هو ما نراه في بعض وسائل الإعلام الاسبانية المكتوبة و المرئية و المسموعة التي أخذت ببالغ الأهمية قضية احتجاز الشابات الصحراويات بمخيمات تندوف ، خصوصا الحاصلات على الجنسية الاسبانية، بحيث أعطت صورة قاتمة للرأي العام الاسباني عن مسألة حرية التنقل و حقوق الإنسان بالمخيمات.
المشكل لم يقف عند قضية الاحتجاز فقط بل بدأ الحديث مؤخرا عن قضية أخرى جديدة و هي الاختفاء، بحيث يتداول هذه الأيام الصحراويون بالشتات و حتى المتضامنين الأجانب على شبكات التواصل الاجتماعي صورة فوتوغرافية لطفل صحراوي مبحوث عنه منذ سنة 2004 من طرف أسرته البيولوجية القاطنة بمخيمات تندوف (ولاية العيون)، التي أرادت أن تضع حدا لمعاناتها في صمت وىربط الاتصال بأحد الصحراويين المقيمين باسبانيا يسمى “أحمد محمود المامي”، و مدته بمعلومات و صور عن ابنها ليتم نشرها على نطاق واسع بالفيسبوك .
و يتعلق الأمر بـ “الكوري علي امبارك”مزداد بتاريخ 1993.11.12 بولاية العيون (دائرة الحكونية)، تم إرساله سنة 2002 أيام كان يبلغ من العمر 12 عاما إلى مقاطعة أستورياس Asturiasفي أول رحلة له في إطار برنامج عطل السلام، وهناك مكث فقط لمدة شهر، ليتم نقله إلى العاصمة مدريد من نفس السنة، و إلى حدود عام 2004 انقطعت كل أشكال الاتصال بينه و بين أسرته البيولوجية و المعطى الوحيد الذي تحصلت عليه هاته الأخيرة عن ابنها منذ اختفاءه، هو أن أسرته المضيفة أو بالتبني تشتغل في مجال الطب و أن اسم الأم الأجنبية هو “بالوما Paloma” فقط لا غير، أي أن الأسرة البيولوجية لا تتوفر على المعلومات الكافية عن هوية و إقامة الأسرة الاسبانية بالتبني.
هذا إن دل على شيء فإنما يدل على العشوائية في التسيير و انعدام الإحساس بجسامة المسؤولية الملقاة على عاتق المشرفين على برنامج عطل السلام من ممثلي الجبهة باسبانيا و مؤطرين و جمعيات متضامنة، بحيث أن مهمة هؤلاء كانت و لا زالت تنحصر فقط في جمع العدد المطلوب من الأطفال الصحراويين من المخيمات بعد إقناع عائلاتهم البيولوجية، ثم إرسال “السلعة” (نعتذر عن التعبير لكنه الواقع المر) و عليها ورقة تقنية عن الهوية الكاملة للطفل الواحد ليتسلمها بعد ذلك أصحابها و هذا، بالطبع، مع حساب تكاليف التسليم و مصاريف النقل التي تذهب في الأخير إلى جيوب المسؤولين على البرنامج.
و بعد الانتهاء من تلك المهمة “النبيلة” يوفر لهؤلاء المؤطرين الوقت الكافي للسياحة و الاستجمام في شواطئ المدن الاسبانية، وأما بالنسبة لممثلينا فهي مناسبة لا تتكرر إلا مرة واحدة في العام للظهور في إحدى صفحات الجرائد أو في شاشات القنوات الاسبانية مع مسؤولي المجتمع المدني الاسباني.
إذا كانت حالات احتجاز الشابات بمخيمات تندوف وصلت إلى أكثر من 150 حالة تم توثيقها من طرف جهات اسبانية مختصة و التي رفعت إلى منظمة الأمم المتحدة للبحت فيها،…. فما هو الرقم الحقيقي للأطفال المختفين عقب مشاركتهم في عطل السلام ؟؟



