بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
في زمن الطاعون العالمي، كتب أحدهم على صفحته متأثرا بعد أن طال إغلاق المساجد في بلاده، “اشتقنا لصلاة الجماعة”، نالت التدوينة تعاطفا كبيرا، لكن من بين المعلقين كان أحد معارفه الذي أعاد نشر صورة لتلك التدوينة و وضع لها هذا العنوان : “حتى سارق الأحذية اشتاق لصلاة الجماعة”…، ذلك أن عاشق المساجد قد لا يكون ذلك الرجل الذي تعلق قلبه بخطب المنابر و لا ممن يسوي الصفوف خوفا ألا ينظر الله إلى الصف الذي يقف فيه…، قد يكون مجرد لص متربص بنعال المصلين…، و كذلك الأمر مع ما تم الترويج له مؤخرا من تسجيلات صوتية لـ “حماد حماد”، المعروف بـ “البايگة”، الذي و من غير حياء قرر أن يتحول إلى مرشد اجتماعي للقضية، و “كوتش” أخلاقي لجيل دمرته السياسة “البولسانية” التي كان هو من ابرز منفذيها خلال السنوات الأولى لانتفاضة الاستقلال…، فسمح لنفسه بالتطاول على الأسر الصحراوية و النشء و الأجيال، و إتهم الأولياء بالتخلي عن المشروع الوطني، و زكى نفسه كواحد من الغيورين على القضية، رغم أن الجميع يعلم انه سليل عائلة اغتنت زمن الحرب…، ناهيك عن سمعته النجسة كغاوٍ يهيم في وديان الغنج بحواضر الصحراء المحتلة، خصوصا بالسمارة المحتلة حيث يتنقل كلما اشتد حنينه إلى قوادة كل من “نكية بوخريص” و “فكة بداد”، و ما قاله من كلام كثير سيكفي ليجعلنا نكشف نواياه و نعري ما يخفيه قلبه الآثم.
نحتاجه أن يجيبنا عن كم لا حصر له من الأسئلة، لأن الرجل الضخم الجثة الصغير العقل، (أجسام بغال و عقول عصافير)، أظهر بكلامه جهلا صعب التبرير بالقضية الصحراوية و هواجس أبنائها…، فماذا يعرف هو عن الوطنية و حكامها و مؤسساتها…؟ و هل يستطيع أن يلوم “الهنتاتة” عن عدم تنشأة أبنائهم على الدفاع عن القضية و على ما فعلوه بمقدرات الشعب المسحوق كمثل اللوم الذي وجهه إلى الآباء و الأبناء…؟ هل يحاسب هو نفسه على الحياة المخملية التي يعيشها بأموال نهب ثروات الصحراء الغربية و أموال الانتفاضة التي يتسلمها كل مرة من يد رفيقه “محمد دداش”؟ و هل يجوز أن يُحَاسَبَ على الوطنية من قُوتُهُ حفنة مساعدات من الرز و العدس و مثلهما من الصويا و بعض الزيت و الحليب المجفف و بعض المعلبات التي تحمل كل أنواع المسرطنات…؟ هل استيقظ يوما وسط تراب المخيمات ليجد نفسه محاصرا و لا يستطيع الوصل إلى أي جهة، و يتهدده الجوع و العطش و الحفاء و الجفاء و العراء…؟ هل أقبل يوما على مستشفى يديرها متطوعون تحركهم الإنسانية التي فقدت في قلوب أهل البيت الأصفر، و وجد الأطباء يبكون و يتحسرون على النقص و العجز و يشكون قلة الحيلة، ليس من ضعف في كفاءاتهم و لكن من بطش المسؤولين الذين يسوقون أطنان الأدوية إلى أسواق الزويرات و تندوف و مالي…؟، ثم سؤال أخير، كم أمضى في سجون الاحتلال ليمنح لنفسه حق التنظير و يدرس لنا الوطنية في مقاطع تحمل أفكار غير مرتبة و غير منسجمة ؟
لا يستطيع أحد أن يقدم لنا دروسا في الوفاء، و لا يمكن لأحد أن يهين كبرياء هذا الشعب الكريم، و هو لم يتحمل حتى جزءا بسيطا مما رآه الشعب الصحراوي في اللجوء، و لا حتى في الأراضي المحتلة، و تلك الأجيال التي يدعوها “البايكة” لتحمل الأمانة، هم أحفاد الشهداء و المقاومين و فروعهم التي تمثل الاستمرار، غير أن ثمة شائبة جعلت الجيل الرابع و الخامس أقل حماسا من الرعيل المؤسس، و أقل إهتماما بالقضية، ولهم في ذلك منطق يجهله أشباه المناضلين، و هو ان ما يحصل اليوم هو نتيجة طبيعية لسياسة غراب كناريا “بولسان” الذي تسببت لجيل ما بعد انتفاضة الاستقلال في أزمات نفسية و أخلاقية جعلته يتحول إلى جيل نشاز.
نتذكر جميعا تلك الصورة التي كان قد نشرها قبل سنوات عديدة “حماد حماد”، عندما حاول الترويج لنفسه كأحد ضحايا القوات القمعية خلال انتفاضة الاستقلال، و هو طريح فراش مخملي وسط صالون الفيلا التي يسكن بها بمدينة العيون المحتلة، في الوقت الذي كان فيه الأطفال في الشوارع ينفذون بسذاجة تعليمات “بولسان”، حينها كان “البايكة” يتنقل بسيارته “الميرسيدس” ليمنح بعض الدريهمات لشباب منحرفين، كي يجندوا له أطفالا استعملهم كذروع بشرية أمام الآلة القمعية للاحتلال، متناسيا بأنه يحرق جيلا بأكمله كان لينفع القضية الوطنية، و هو راشد و مكون دراسيا، و في جانب آخر التزم الصمت تجاه السياسة الخطيرة للقيادة بالرابوني التي كانت و لا زالت ترسل الأطفال دون سن الإدراك في بعثات إلى أوروبا، فلا يعود غير نصفهم و منهم من يتعرض للاستغلال الجنسي، و منهم من تم بيعهم للكنائس و الأسر الإسبانية التي أنتجت لنا جيلا مفتقدا لهويته الوطنية كحال “مريم البشير” .
نحسب على الرجل تطاوله و دعوته إلى التسليم بما تقره مؤسسات الدولة الصحراوية حيث جاء في تلك التسجيلات “لا تقبلوا أحدا أن يعيب جبهتكم و مؤسساتكم”، و نحن نجيبه أنه لا أحد يعيبها، بل نحن ننتقد أسلوبها، و ندرك أن الحكم في الدول التي تحترم نفسها و شعوبها هو حكم تشاركي، بين الشعب و المؤسسات التي هي في الأصل منتخبة من الشعب، و الدولة التي لا تقبل النقد لا مكان لها بين الديمقراطيات، و لا مستقبل لها، لهذا فالشعب الصحراوي و الأقلام الحرة ستظل تحارب “الهنتاتة” اينما كانوا.
و المضحك المبكي في ما قاله الرجل و هو يصور الواقع المعاش في المدن المحتلة، و يصفها بالمدن المغلقة و المعسكرة، إذ قال دون حياء أن عدد المواطنين الصحراويين في العيون و السمارة و الداخلة و بوجدور و … لا يتجاوز 9% و أن 91% من سكان الصحراء الغربية هم مستوطنون، دون أن يمنحنا مصادر لإحصائياته الفلكلورية، و أن الـ 91% تلك هم من المخابرات و الدرك و الأمن و الجيش، و أن مداخل المدن مغلقة…، متناسيا أن جزء مهما من المواطنين الصحراويين بأرض اللجوء يزورون مدن الصحراء المحتلة، و يمضون فيها الشهور الطوال، و لم يحدثنا أحد عن قصص الجزار المخبر و عن الدركي البقال، و عن العطار العسكري، و لا عن رجل الأمن الذي يلعب دور البائع المتجول… فلو كانت هذه الأرقام حقيقية فلا يمكن الحديث عن انتفاضة و لا على استقلال.
المصيبة أن الجيل الذي انتقده “البايكة” تعرض لمؤامرة قيادية، و لا تزال تلك المؤامرة قائمة و يمثل هو مستوى آخر منها، و من نجا منها و استطاع الفرار بعقله و وعيه، لا يمكنه أن يتعرض للتضليل من رجل ما زال يتقاضى راتبه الشهري كموظف لدى إدارة الاحتلال، و كل ما قدمه للقضية هو فراره من الشسكان و بثه تسجيلات على تطبيقات التراسل، لم يقدم فيها ما يكفي من الأدب ليتجنب الإحراج، و على كل الذين يستهدفون هذا الجيل في الضفتين سواء كان احتلالا يمارس التهجين أو قيادة تمارس التدجين…، أن يذركوا صعوبة الموقف الذي هم عليه، لأن مستوى انفتاح العالم سمح لهذا الجيل بالإطلاع على تجارب الأمم، و عرف الصدق من الكذب، و متى تصلح الوطنية و متى تصبح مجرد شعارات يراد بها غير ما قصد.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك