بـقـلـم : أغيلاس
تقول إحدى الحكم الصينة التي يُربى عليها الأطفال في المدارس، “أن أفضل وقت لزراعة شجرة كان منذ 20 سنة، و ثاني أفضل وقت للزراعة هو الآن..”، هذه الحكمة تلخص كمية العزم عند الصينيين الذين نجحوا في بناء واحدة من الإمبراطوريات الاقتصادية الأكثر تهديدا لمصالح الغرب، و اليوم قرر المارد الصيني أن يمد ذراعيه ليعانق دول أوروبا الثرية، كي يبيعها ما أنتجته السواعد و العقول الصينية و يغرقها في اختيارات قد لا تنتهي لمنتجات غاية في الجودة و الإغراء…، و أنشئ لذلك خطة برية و بحرية أطلق عليها اسم “طريق الحرير” في إشارة لإحياء التاريخ التجاري للمارد الصيني …، و لأن المحتل المغربي يجيد اغتنام الفرص فقد وقع مع المجموعة الصينية CCCC التي تعتبر عملاق في قطاع البناء في الصين، اتفاقية لبناء مدينة “طنجة تيك”… الذكية.
مضمون هذا الاتفاق بين تلك المجموعة الصينية و المغرب لبناء مدينة ذكية لا يخصنا في شيء لأن الأمر يدخل ضمن علاقات الدول فيما بينها، لكن بالتمعن جيدا في المشروع الصيني و التحركات الأخيرة للدبلوماسية المغربية و التوجه العَقَدِي لهذه الدبلوماسية، التي تربط كل الامور، سواء كانت اقتصادية او رياضية او ثقافية او دينية…، بالقرارات السياسية عبر التحكم في قرارات الدولة التي تشاركها المصالح النفعية باتفاقيات تتجاوز قيمتها المادية ملايير الدولارات، نفهم بأن الصين التي تمتلك حق”الفيتو” في الأمم المتحدة و تمارس الحياد السلبي ستبدأ في لعب دور ما لصالح المحتل من أجل تلبية طلب الرباط المبني في شراكاته الاقتصادية على منطق رابح – رابح، أي أن الصين ستربح اقتصاديا فيما الرباط ستربح دبلوماسيا و سياسيا و أيضا اقتصاديا.
و بالعودة خطوة إلى الوراء، و فهم خطة الصين للسيطرة على اقتصاد العالم، و كيف أن الرباط تحاول تحقيق النقاط باستغلال جشع الصين و نهمها للتوسع الاقتصادي و السيطرة على شمال أوروبا انطلاقا من الموانئ شمال إفريقيا، سيتضح لنا كم أن لعبة السياسة و الدبلوماسية لا تحترم المنطق، إذ أن الصين تراهن على إحياء طريق الحرير، حيث كانت في التاريخ القديم تبيع أوروبا الحرير و تحصل بالمقابل على المال و بعض المنتجات المصنعة، أما اليوم فالصين ستغزو العالم ببضاعتها المصنعة في الصين بتكلفة رخيصة و تبيعها للمواطن الأوروبي صاحب القدرة الشرائية المرتفعة، بقدرة تنافسية رهيبة نتيجة الجودة و الكمية الوفيرة للمنتجات و هذا ما ترى فيه الدول الأوروبية تهديدا لأمنها الاقتصادي.
و تراهن الصين على استثمارات تفوق 900 مليار دولار لأجل إحياء الحزام البري الذي يخترق الصين عبر الهند و باكستان و يتوغل في العمق الأوروبي إلى أن يصل أمستردام بهولندا، فيما بحريا ستربط الصين القارة الأوروبية و الإفريقية مع القارة الأسيوية عبر شبكة موانئ بحرية تبدأ من منافذ الصين البحرية مرورا من سواحل الهند إلى قناة السويس و وصولا إلى البندقية في إيطاليا، و الهدف إغراق أسواق جنوب أوروبا و وسطها الغربي.
لكن هناك خطوة ثالثة في المشروع تقع وسط مشروع طريق الحرير و تتجلى من خلال الاتفاقيات التي عقدتها الصين مع دول كالمغرب من أجل توطين التكنولوجيا بهذه الدول و تحويلها إلى منصات إنتاجية تتوافق و الرؤية الصينية من جهة، و تتلاءم مع الأهداف التنموية لتلك البلدان، و هنا يظهر ذكاء المحتل المغربي الذي لا يريد أن يكون ضمن مسار طريق الحرير، و في ذات الوقت يريد أن يستفيد من استثمارات الصين في تعبيد هذا المسار وسط العالم، و هو يريد بذلك أن يتفادى التحول إلى سوق لتفريغ بضائع الشركات الصينية ذات التنافسية العالية، و بالمقابل أن يحصل على منصات إنتاج ذات قيمة تكنولوجية مضافة عالية، و الأهم بالنسبة له أن يحصل على دعم صيني في مجلس الأمن و يجعل الفيتو الصيني يخدم مصالحه في النزاع حول الصحراء الغربية.
و كان الأرجح أن تستفيد الجزائر الحليفة من هذه الطريق التاريخية للسيطرة على الاقتصاد الأوروبي، لأن الجزائر منحت الشركات الصينية صفقات أدرت على خزائن هذه الأخيرة مليارات الدولارات و يتعلق الأمر بصفقات بناء الطرق السيار و تشييد المسجد الكبير و صفقات تجهيز المجمعات الكيماوية بالبلاد و المجمعات الصناعية، و صفقات في العتاد و أخرى في تجهيز الجيش و العديد من الصفقات التي لم يعلن عنها و اعتبرت صفقات سرية بالنظر إلى تكلفتها المادية التي تتجاوز بكثير ما هو معمول به دوليا أو لحساسية المنشأة.
سيصبح للمحتل المغربي بعد الاتفاق الذي عقده مسؤولون مغاربة مكانا ضمن المنظومة الإنتاجية الصينية، و عوض أن يكتفي العدو بدور الربط و التفريغ و الشحن للمنتجات الصينية سيتحول إلى منصة إنتاج ذات ذكاء عالي و لها مستوى كبير من القيمة المضافة، و هذا سيسمح للمحتل بأن يطور من أدائه الاقتصادي عبر توطين التكنولوجيا الدقيقة و التحول إلى أول مركز صناعي – حضاري فائق الذكاء في شمال إفريقيا، فيما اهالينا بمخيمات تندوف يزدادون تخلفا في غياهب صحراء لحمادة حيث تحاصر المخيمات من طرف الجيش الجزائري و الجيش الصحراوي، و تقمع حرية التعبير، و تغيب مؤشرات الحياة الكريمة…
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك