بقلم : الغضنفر
“جزاء سِنِمّار”… مثل يُضرب لمن يُجازى بالإساءة بدل الإحسان، ولمن يقابل المعروف بالمنكر، …”سِنِمّار” مهندس من الروم، بنى قصر الخَوَرْنَق الشهير في الكوفة (العراق)، و أصبح يضرب به ذلك المثل(“جزاء سنمار”)، ذلك أنه عند انتهائه من بناء القصر للملك “النُّعمان بن المنذر”، بعد عشرين عامًا من العمل المتواصل، أسر للملك بأنه وضع طوبة في مكان معين من القصر، لو تمت إزالتها سيسقط القصر كله، وأنه لا يعلم مكان تلك الطوبة غيره، وأن بإمكانه بناء قصر أفضل من الخورنق يدور مع الشمس، فما كان من الملك “النعمان” إلا أن ألقى بـ “سنمار” من أعلى القصر، فمات في الحين، كي لا يخبر أحدًا عن سر تلك الطوبة، وكي لا يبني بناء أفضل من ذلك القصر.
تذكرت هذه القصة من التاريخ العربي، و أنا أحاول أن اكتب عن قضية المفكر والمنظر الصحراوي الكبير “الخليل أحمد”، الملقب بـ “كارلوس”، الذي مرت عشر سنوات كاملة على اختفاءه القسري بالجزائر، ذلك أن ما حصل مع هذا الأخير يشبه قصة “سنمار”، مع أني اعتقد بأن ما قام به الملك “النعمان” من جرم في حق المهندس “سنمار” لا يقارن أبدا بالقسوة التي تعاملت بها القيادة وسلطات الحليفة مع المفكر “الخليل احمد”، … فعلى الأقل مات “سنمار” في لحظته عند سقوطه من أعلى القصر، و لم يتعذب كما تعذب “الخليل” في سجنه طيلة هذه السنوات، و تعذبت معه عائلته كل لحظة نتيجة غياب أي خبر عنه.
الغريب أن القيادة الصحراوية، سواء السابقة أو الحالية، لم تحرك ساكنا في هذا الموضوع و تقف موقف المتفرج، مع أن المختفي من رجالات الدولة الصحراوية البارزين و قياديا من الطراز الرفيع ساهم في مختلف مناحي الفعل النضالي والوطني في بناء الدولة الصحراوية، و كان يشغل – قبل اختفاءه- منصب مستشار بالرئاسة مكلف بملف حقوق الإنسان، و بالتالي فإن استمرار هذا السكوت على قضيته هو وصمة عار في جبين رفاق الثورة، و اختبار حقيقي لضمير و مصداقية كل صحراوي يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان. … فالقيادة لم تتدخل لدى السلطات الجزائرية للإفراج عنه، أو على الأقل تمكينه من حقه الإنساني في محاكمة عادلة،…. فمهما كانت جريمته، حتى و لو وصلت حد الخيانة العظمى، فمن حقه كإنسان أن يحظى بمحاكمة عادلة،… و كيفما سيكون حكم القضاء، حتى و لو وصل إلى الإعدام، فسيبقى أرحم بكثير من حالة التغييب المتواصلة دون أي معلومة عنه.
أكيد أن هناك سر من أسرار الدولة وراء زج سلطات الجزائر بـ “الخليل” في سجونها، لكن ما يعاب عليها في هذه القضية هو تعاملها بمنطق مافيوزي مع الرجل، ذلك انها لم تحترم الجوانب القانونية و الحقوقية في هذه الإشكالية، كحق عائلته في معرفة مصيره المجهول لحد الساعة و زيارته من حين لآخر، ناهيك عن التعتيم حول التهمة الموجهة له من أجل تقديمه للمحاكمة.
الاختفاء القسري لمدة عشرة سنوات لهذا القيادي الوطني، و شيوع خبر -غير مؤكد- حول وفاته بالسجن، هو ما جعل عائلته الصغيرة و الكبيرة من قبيلة “السواعد”، تقوم ببعض التحركات داخل مخيمات تندوف للمطالبة بالكشف عن مصيره ، حيث نظم العشرات منهم وقفة احتجاجية يوم 31 يناير 2019 أمام مقر مفوضية غوث اللاجئين بالرابوني .
قضية “الخليل أحمد” لن تنتهي باختفائه و سيكون لها ذيول وخيمة على القضية الوطنية مستقبلا،… ذلك أن الملك “النعمان” الذي قتل “سنمار”، لما تقدم به السن وتبصر في ما فعله من جرم وفكر في فنائه وفناء الإنسان، نزل من قصر الخَوَرْنَق ، وانطلق إلى الصحراء ولم يعثر له بعد على خبر.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك