خطاب ملك المغرب هل كان تحذيريا للحليف أم توريطا لقصر المرادية، أم هو خطاب الفرصة الأخيرة لطي صفحات الخلاف أم هي نخوة المنتصر… !!؟
بـقـلـم : بن بطوش
في جولة “مسعود بولس”، المستشار الأمريكي و صهر الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بشمال إفريقياّ، و أثناء نزوله ضيفا على قصر قرطاج، كان ضمن الوفد الذي رافقه طبيبا نفسيا، هذا الطبيب لم يحضر خلال زيارته إلى الجزائر أو ليبيا أو المغرب…، لكن تمت دعوته ليشكل جزءا من الوفد المرافق لـ “بولس” بتونس، و كأن أمريكا كانت تريد إهانة الرئيس التونسي داخل بيته و هي تخبره أنه إنسان غير متوازن و غارق في التماهي… !!، لكن حينما نزل المستشار الأمريكي ذو الأصول اللبنانية بمكة الثوار، خرج الطبيب النفسي من فريقه و التحق به المبعوث الأمريكي لملف الصحراء الغربية “جوشوا هاريس”، المرشح الأول لشغل منصب سفير البيت الأبيض في الجزائر مع قرب نهاية مهمة السفيرة “ إليزابيث مور أوبين”، و ظهور “هاريس” بالجزائر يعود لسبب أن “بولس” هو رجل أعمال و خبير صفقات و لا يعرف تفاصيل الصراع بين الجزائر و الرباط، و بالكاد يسمع عن الدولة الصحراوية و الصحراء الغربية.
و حين أراد المستشار “مسعود بولس” إيصال تصور الرئيس “ترامب” للقيادة الجزائرية و إدارته الحالية لحل نزاع الصحراء الغربية، تمت الاستعانة بـ “جوشوا هاريس” ليلعب هذا الدور، لكن المثير في الأمر أن “هاريس” كان وراء منع مشاركة البوليساريو في اللقاء، بعد رفضه طلب الخارجية الجزائرية بدعوة أصحاب القضية للاجتماع بالمستشار الأمريكي، و هذا فيه توريط أمريكي للجزائر، و بأنها ترى في قصر المرادية الطرف الوحيد و الأصلي إلى جانب المحتل المغربي في الملف، و بأن الحل يجب أن يكون سريعا و دون تأخير بين الجزائر و المغرب، و كأن الرئيس “ترامب” يرفض تمكين الرئيس الجزائري من الخيارات التي قد تعطل أي حل، بل يفرض عليه المتوفر من الحلول (الحكم الذاتي)، و الذي صاغته الرباط حسب مقاييسها و تطلعاتها، و ما تسرب من اللقاء حسب معارضين جزائريين، يقول بأن “بولس” أبلغ النظام الجزائري كون الملف محسوم أمميا و في مجلس الأمن… !!، لكن على الجزائر أن تختار بين محاورة الرباط و مجالسة المسؤولين المغاربة لإعادة اللاجئين بعد فرزهم لإعادة توطينهم بالصحراء الغربية، و بين قوائم الإرهاب.
هذه المقدمة تمنحنا المدخل إلى خطاب ملك المغرب، لنفهم الصيغة التي جاء بها، و حتى نضع قراءة صحيحة للخطاب، بعيدا عن التحاليل التقليدية التي تناقش الخطاب المباشر و لا تستطيع استنباط الأحكام منه، فملك المغرب قدم في هذا الخطاب جردا للمنجزات، و أخبر المغاربة أن التنمية التي يريدها لم تحدث بعد، و أن الجهود المبذولة ستجعل المغرب في غضون سنوات قليلة ضمن الدول التي تحقق الرفاهية، ثم فتح قوس العلاقات مع الجزائر و هي المرة الأولى التي يفرق فيها ملك المغرب بين الشعب الجزائري و الدولة الجزائرية الرسمية، حين قال أن الشعب الجزائري شعب صديق و شقيق، و أنه يستمر في مد يده للنظام الجزائري، و هذه المرة مد اليد يبدو كـ “شفقة”، و كأنه حسم القضية نهائيا و يتأسف على ما آلت له أوضاع النظام الجزائري، و في حال أردنا تصوير الخطاب و إسقاطاته على العلاقة المتوترة بين الجارين، فسنحصل على صورة تجسد لنا مقاتلا منتصرا يمد يده إلى مقتل ملقى على الأرض، و هو يخبره أن سقوطه ليس بهزيمة بل محض تعثر، و أن القتال لا يليق بهما، و أنه يريد حفظ ماء وجه خصمه بحركة نبيلة و هو يمد له يده.
نعود لنفهم الوضع أكثر داخل قصر المرادية، لأن الحليف الجزائري أصبح مدركا بأن الأمور تتطور نحو الأسوأ في ملف الصحراء الغربية، و يدرك أيضا أنه عجز عن صناعة روابط ودية مع الإدارة الأمريكية الحالية رغم التنازلات، و أن الهوة بين قصر المرادية و واشنطن تزداد اتساعا…، لكنه بالمقابل يؤمن بأن المال و الثروات تمنح مساحة تفاوضية محترمة لقصر المرادية، و هذا ما يشرحه قرار الرئيس الجزائري حين وافق على مساعدة دولة لبنان بشكل مستعجل بغلاف مالي قدره 200 مليون دولار، مع منح بيروت 6 أشهر من الواردات الغازية لتوليد الطاقة بشكل مجاني و كمية غير محددة من وقود الطائرات المدنية…، و هي المساعدات التي لم تحصل عليها حتى غزة من قصر المرادية، لكن زيارة “بولس” و ليست زيارة الرئيس اللبناني، جعلتها واقعا مع لبنان…، و هناك من صورها بأنها رشوة علنية لـ “بولس” المتيم بلبنان و العاشق لبلاد الأرز موطنه الأصلي، رغم أن عدد أثرياء لبنان أكبر بعشرين مرة من عدد أثرياء الجزائر، و يمكنهم أن يوفروا للبنان رقما فلكيا لإصلاح أوضاع هذا البلد و إعادة إعمار جنوبها المنكوب، و هنا نشير إلى أن الجزائر سبق لها المساهمة بنصف مليار دولار قبل أشهر، لإعمار المناطق التي إلتهمتها النيران في كاليفورنيا.
إرضاء الرئيس الأمريكي يراه قصر المرادية هدفا مستحيل التحقيق، لهذا هو يحاول استغلال مشاعر المبعوث الأمريكي و صهر الرئيس، عبر دغدغة أوداج الوطنية بين أضلعه، لكن الرباط تراقب من بعيد المتغيرات، و اليد الممدودة أقامت الحجة على قصر المرادية، بأن عمق المشكلة يوجد في النظام الجزائري، و هذا يشكل خطرا كبيرا على القضية الصحراوية و على مكة الثوار، لأن الجزائر في حال تعنتها ستضطر لتحمل الغضب الأمريكي، لأن واشنطن حتى الآن لا تزال تعامل النيف الجزائري بدبلوماسية و احترام، و بكياسة، و هذا يذكرنا بما كانت تفعله الدبلوماسية الأمريكية قبل الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، و البقية تعرفونها جميعا.
موسكو تراقب الوضع من بعيد، و هي تعلم أن قصر المرادية قد خان العهد مع الروس، و قرر وضع كل المعادن و المحروقات في سلة الإيطاليين و الأمريكيين، مع العلم أن روسيا تجهز جوابا للجزائر على حدودها، بإرسال معدات عسكرية و أسلحة غاية في التطور إلى دولة مالي، من أجل الرد على الرفض الجزائري للعرض الروسي، و أيضا ردا على ما فعلته الجزائر و هي تدعم الأزواد، و هذه التطورات تجعلنا نتيقن بأن المستقبل القريب سيكون حارقا لقصر المرادية، دون أن ننسى فرنسا التي تخطط لإسقاط “سعيد شنقريحة” من قيادة الجيش، حتى يسهل عليها الوصول إلى “حفيد بوبغلة”.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك