بـقـلـم : بن بطوش
احتجت إلى الكثير من الوقت و التأمل كي أجد مدخلا لهذا المقال، لأن الإرث الذي سيتركه “عبد المجيد تبون”، ستحتاج الجزائر – مع عقلائها- إلى عقود من الزمن كي تشفى منه؛ فالرجل كلما وضعوه أمام كاميرا إلا و فقد السيطرة على لجام لسانه، و نسي أنه يقود دولة و ليس سيارة أو حزبا أو جمعية أو جناحا سياسيا، فدائما ما تأخذه العزة بالإثم فيتحدث بعنف المشاعر و كأنه يريد أن يثبت لشخص ما يراقبه و يوجهه بأنه عند حسن ظنه و رضاه، و أنه الرجل الذي يستطيع أكثر من ذلك التهور إن أراد من يهمه الأمر المزيد، ذلك أن الرجل الأول في الجزائر غاص و أغرق معه الجزائر في المتناقضات إلى مستوى المستحيل…إلى نقطة اللاعودة، و قدم أمام العالم واحدة من اللقاءات الصحفية الأكثر كارثية لرؤساء الدول، و يمكن الحكم عليها مغاربيا و عربيا و صحراويا، بأنه لقاء الفتنة الكبرى و قطع الأرحام.
عندما قبل الرئيس الجزائري استقبال القناة القطرية، “الجزيرة”، للمرة الثانية داخل قصر المرادية، و هو الذي دأب على تسميتها بقناة الفتنة، بطاقمها الذي تترأسه الصحفية الجزائرية العائدة إلى بيت الطاعة، “خديجة بن قنة”، و التي سبق و أن اتهمها الرئيس بتأجيج الغضب الشعبي على النظام و كان قد دعا عليها سخطا بالقول: “الله لا يربحك”…، هذا الاستقبال جعل الإعلام الفرنسي يطرح السؤال عن سر التوجه و الانفتاح الجزائري على الإعلام القطري الذي تسبب في الربيع العربي، و كان وراء سقوط نظام “بوتفليقة”، ليجيب أحد الخبراء أنه لا توجد أسرار في الأمر، كون النظام الجزائري يعرف أن الإعلام الفرنسي لا يمنح الحوار مع الرئيس “تبون” أهمية كبيرة و يقدمه و كأنه رئيس مستعمرة سابقة حصلت على الحكم الذاتي، و أن التقديم الإعلامي له غالبا ما يكون دون ترويج كبير، و يمر الحوار دون أن يخلف ضجة إعلامية على عكس الإعلام القطري الذي يستفز القيادات بالأسئلة، و يخلق الحدث الترويجي للحوار لرفع درجة أهميته، و ليت “تبون” نزل ضيفا على “فرانس “24 و مر الحوار دون أن ينتبه له أحد… !
نبدأ قراءتنا لمضامين حوار الرئيس الجزائري بالتأمل في تفاصيل المكان الذي تم اختياره لإجراء اللقاء، حيث يمنحنا المخرج بعدسة جامعة صورة شاملة عن الجلسة، تضم الرئيس “تبون” يجلس فاردا قدميه و أمامه الصحفية و في الخلفية يظهر تمثال الأمير عبد القادر يعلوه مجسم من السيراميك لخارطة الدولة الجزائرية، و الغريب أن تلك الخارطة المجسمة يخترقه خط رفيع داكن اللون يفصل شرق الجزائر عن وسطها، و يبدو ككسر في المجسم، و كأنه يتماهى مع الحملة التي يقودها نشطاء مغاربة عما يسمونه “الأراضي المغربية التاريخية في الصحراء الشرقية”… و هنا نحن من نطرح السؤال: كيف أن الجزائر بقيادتها تضع داخل قصر المرادية مجسما للأراضي الجزائري و تتقبل أن يوجد خط داكن يفصل شرق الجزائر عن باقي ترابها، و يعزل بشار و تندوف و لقنادسة و حاسي بيضة عن باقي التراب الوطني الجزائري، رغم أن النظام الجزائري الحالي لديه حساسية مفرطة للتفاصيل الخرائطية…؟، أم أن المجلس جرى اختراقه و عبثت الأيادي بخارطة بلاد الشهداء؟
انطلق الحوار مرتبكا، حينما سألت الصحفية “بن قنة” الرئيس : من أين تفضل البدء؟ هل الشأن الدولي أم الداخلي؟… صمت الرئيس و تلعثم ثم خيرها من حيث تريد، لتفاجئه بسؤال ثقيل: كيف هو الوضع العلاقاتي بين الجزائر و جارها ذا الجنب المغرب؟… ليجيب أنه يتأسف لما وصلت له الأمور، و أن العلاقة بلغت نقطة اللاعودة … و هنا نتوقف لنفتح قوس النقاش و نحن نجهز منصة المقارنات، بين خطاب ملك المغرب الذي مد فيه اليد للجزائر، و بين حوار “تبون” الذي قال فيه أن العودة للعلاقات الطبيعية مستحيلة مادام هو يحكم البلاد، أو مادامت الجزائر العسكرية هي من تضع الحكام داخل قصر المرادية، و هي المرة الأولى التي يحرق فيها رئيس دولة كل سفن العودة مع دولة جارة يختلف معها، فحتى في الحرب الأوكرانية لم نسمع مثل هذا الكلام، و في العلاقات الدولية لدينا درس أمريكا و اليابان، و ألمانيا و فرنسا، ثم فرنسا و بريطانيا… و الإبادات التي حصلت بين كل تلك الدول، و هم أمم دمروا بعضهم بالأمس ذات حروب ظالمة، و تجمعهم اليوم علاقات سياسية و دبلوماسية و اقتصادية و ثقافية و إنسانية، و حدود بلدانهم مفتوحة بينهم.
مسترسلا، يضيف الرئيس الجزائري أنه رفض الوساطات، لتسأله الصحفية الماكرة: و ماهي شروط الجزائر لعودة العلاقات مع الرباط ؟، فتظهر على محياه علامات الارتباك مرة أخرى و يأخذ نفسا عميقا ثم ينظر بعيدا بحثا عن جواب يظهره في موقف الذكي المراوغ، ليقول: “لا توجد شروط لدى الجزائر و أن الأمر لا يتعلق بشروط جزائرية”… و هذا الجواب يظهر أن الرئيس لا يعرف هو نفسه أسباب القطيعة، و أن هناك قوة أكبر منه تتحكم في قرار العلاقات مع المغرب و ترفض عودتها.
و الأكثر أنه قال كلاما بغاية الخطورة، حين أعلن أن الجزائر هي في مرحلة ردة الفعل فقط، و هنا الرئيس الجزائري يجيب القيادات الأمريكية التي زارت قصر المرادية و يطمئنها أن الجزائر لا نية لها في الحرب، و أنها إن تورطت في عمل عسكري فسيكون فقط للدفاع عن البلاد، مما يجعلنا نستحضر التراجع المهول للرجل و التناقض السافر في تصريحاته،و نذكره يوم قال في إحدى حواراته مع الإعلام الجزائري مهددا المغرب، أن الحرب إن بدأت فلن تتوقف، و كأن الاصطدام العسكري مع المغرب على بعد إشارة من أصبعه و أن الجيش الجزائري مستعد على الحدود المشتركة.
تزداد كمية التناقض في خطاب “تبون”، حين عرجت الصحفية على العلاقات الإسبانية – الجزائرية، و التي أجاب عنها بأنها اخترقت من طرف “بيدرو سانشيز”، و قال أن رئيس الحكومة الإسباني كان يعامل الجزائر بمكر، و كان يحضر إلى قصر المرادية و هو يبيت النية مع الرباط،… و أضاف أن علاقات الجزائر مع مدريد و قصر لابرادور جيدة جدا رغم سحب السفير، و أن علاقات الجزائر مع الشعب الإسباني طيبة…
و المصيبة أنه طمأن الشعب الإسباني بأن حصته من الغاز الجزائري لن تمس و لن تنقص، و كنت أتمنى أن يحب “تبون” الشعب المغربي كما يحب الشعب الإسباني و الفرنسي، و يطمئنه كما طمئنهم، لأن جزءا كبيرا منه الشعب الصحراوي هو اليوم يتعايش مع الشعب المغربي و هذه حقيقة لا يمكن ان ننكرها، و الواقع أن تطمينات الرئيس الجزائري كانت موجهة لـ “جوزيب بوريل” الذي حذر الجزائر من تقزيم الحصة الإسبانية من الغاز و لوح بالعقوبات الأوروبية.
ثم فيما يخص قضيتنا الصحراوية، قال الرئيس “تبون” بأن إسبانيا نسيت أنها القوة التي تدير الصحراء الغربية، و هنا نحن نتساءل هل يعلم الرئيس الجزائري أن مدريد سلمت الرموز الملاحية الجوية السيادية للمحتل المغربي، و أن الصحراء ضاعت منا و إلى الأبد…
و حين وجهت الصحفية إلى “عبد المجيد تبون” سؤال بخصوص العلاقات الفرنسية – الجزائرية، ابتسم الرجل ابتسامة من ذُكر حبيبه في مجلس، و قال أنها متذبدبة و أن عودة السفير غير مستبعدة، و قال أن التاريخ المشترك مع الفرنسيين يبلغ 130 سنة، و هنا نتساءل من جديد: هل الخلاف بين الجزائر و الرباط أعقد من جرائم فرنسا و إهاناتها لبلاد الشهداء؟ أم أن الرئيس الجزائري خانته الكلمات ليصف الخلاف مع الرباط؟
و ما يهمنا نحن و حجر الزاوية في هذا الحوار، هو موقف قصر المرادية و نظرة حاكمه إلى قضيتنا و ثبات موقفه…، لأنه حين أحرجت الصحفية رئيس الجزائر و سألته: هل قضية الصحراء الغربية مسألة تصفية استعمار أم هي قضية أمن قومي للجزائر…؟، أجابها الرئيس مرتبكا مرة أخرى: بل هي قضية تصفية استعمار…، و كانت ملامحه تقول شيئا آخر و هو يحرك كلتا يديه، و كأنه يكشف للعالم بأن غرض الجزائر لم يكن يوما مجرد دعم للشعب الصحراوي، بل إضعاف نظام الرباط، من أجل الحفاظ على الجزائر التي ترى مثلنا في تنامي قوة المخزن خطرا مستمرا، و أن استمرار تواجده بعمق الصحراء الغربية فيه ضرر كبير للأمن القومي الجزائري.
و المثير أن الرئيس الجزائري قال للصحفية سأمنحك سبقا صحفيا (scoop)، و أخبرها بأن إسبانيا في عهد الجنرال “فرانكو” اقترحت على الجزائر سنة 1964 تسليمها الصحراء الغربية، لكن الرئيس “بن بلة” رفض المقترح،… و هنا تتوقف كل الاجتهادات و القراءات و يصل بنا الرئيس الجزائري إلى حافة التأليف، لأن مذكرات و حوارات الرئيس “بن بلة” لم تذكر أمرا كهذا و لا أثر له في الأرشيف الإسباني و لا الفرنسي و لا الأمريكي، و لم يقدم “تبون” ما يؤكد الادعاء و لو بإشارة إلى مصدر، مما يدفعنا لاتهام رئيس دولة الحليف بالهذيان حتى لا نقول الكذب البواح.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك