قراءة في الأحداث: من عودة الأخ القائد “إبراهيم غالي” إلى توقيع الرباط لصفقات اقتصادية مع إثيوبيا و عسكرية مع تل أبيب
بـقـلـم : بن بطوش
وسط زخم الأحداث و شدتها على قلوبنا المكلومة، و التي لا تكاد تمسح عنها سواد الحزن من فراق القادة، حتى تنعي قائدا آخر، و لا تجف ثربة قبر حتى يحفر آخر…، إلى أن حل علينا بعض الفرح أخيرا…، و نحن نسمع زغاريد الحفاوة بعودة القائد الذي غاب عنا في أطول رحلة علاج، انطلقت من الرابوني إلى مستشفى “عين نعجة” و منه إلى مستشفى “سان بيدرو” الإسباني ضواحي سرقسطة…، و ما صاحب رحلة علاجه من أزمة دبلوماسية تحولت إلى فضيحة إنسانية أهانت كبريائنا، ثم عودته إلى “عين نعجة” حيث استقبله الرئيس الجزائري “تبون” و قائد الجيش “شنقريحة” لتخفيف شدة النكبة، و من هناك حمل في رحلة علاج سرية إلى دولة كوبا، ثم عاد بعدها إلى “عين نعجة” للنقاهة، و منها إلى الرابوني، لتكون أطول رحلة علاج في تاريخ البيت الأصفر الصحراوي.
و رغم أن عودته صادفت إعلان وفاة الرئيس الجزائري الأسبق، و الرجة الإعلامية التي تسبب فيها عدم حضور الأخ القائد مراسيم تشييع الراحل الكبير “بوتفليقة”، إلا أننا نترك كل الملاحظات جانبا و نقول بكل ترحيب “أهلا بعودتك بين الأهل، حتى و إن كان تواجدك لن يغير شيء مما يحصل و يجري، لأنها أحداث تفوق وعيك و تحملك، و أنه حين كنت ترقد بين الحياة و الموت… كانت دواليب الدولة تسير بالإجماع الأعرج كما تركتها و لم نشعر بغيابك…، إلاّ أن لحضورك زخم معنوي نحتاجه في هذا الظرف الصعب و الخطير على قضيتنا، على الأقل لتتقاسم معنا مشاعر الخيبة، و ما أشدها على النفوس، و حضورك أيضا يمكن إعتباره “ريمونتادا” ضد من اجتمعوا ليلا لتعيين رئيس جديد بدأ مهامهم الأولى بالموافقة على وساطة “دي مستورا”، ثم أن عودتك مهمة لأننا نحمل لك الكثير من الأنباء و الأخبار عما جرى في غيابك بإفريقيا الحزينة حيث تسيل الدماء التي علق وزرها على رقابنا، و نحتاج لنخبرك أخيرا عما فعلته الملعونة يعني بمقاتلينا… !!!“، سنحكي لك كل شيء في قادم المقالات.
قبل أسابيع اختلف العالم حول انسحاب أقوى دولة في العالم من أفغانستان، و انتقدت صحافة العالم بوعيها الصحفي البسيط سقوط طالبان، و مشاهد إجلاء جزء من الشعب الأفغاني، لكن بعد أسابيع قليلة كشفت صفقات السلاح الأمريكية مع أستراليا بعض المعطيات التي تقول، أن الولايات المتحدة الأمريكية تؤسس لنظام عالمي جديد، يمكن تسميته “بتكتل التجربة البرغماتية” نظام ستكون من خلاله واشنطن المركز المطلق للعالم المادي و النفعي، و أن الدول التي تعرف ما يجري و تشارك في هذا التغيير الرهيب و العظيم…، تعد على رؤوس الأصابع، و هذا يؤكد رجاحة رأينا الذي قلنا فيه ذات مقال، أن عالم ما بعد كورونا سيكون مختلفا بشكل جذري، و أن انسحاب بريطانيا من الإتحاد الأوروبي كان لأجل تشييد تحالف أضخم من الإتحاد الأوروبي العاجز أمام التنين الصيني، و قلنا أنه سيكون مع قوى أكبر، و اليوم ملامح هذا التكتل الرهيب بدأت تنكشف و تظهر، و أن أعظم إمبراطورتين في الوجود “لندن” و “واشنطن” رفقة قوى صاعدة، يوشكون أن على وضع القطع الأخيرة المكونة لتحالف أسطوري… قد تليه عملية تفكيك حلف الناتو.
أظنك أيها القارئ الكريم قد بدأت تشكل صورة الفهم الكامل لما يحدث و يدور، و كما تتوقع فمحور لندن – واشنطن يدفع بالرباط لتكون صين إفريقيا، و هذا التكتل يرعى مصالح الدول المنضوية تحته لوائه بكل قوة، و الدليل أن إثيوبيا أغلقت سفارتها في الجزائر و ستفتح قنصلية لها في الصحراء الغربية، رغم أنها الدولة التي كانت إلى الأمس القريب مصدر قوة القضية الصحراوية، و ركنها الحديدي، و تخضع بشكل مطلق لمحور بريتوريا – الجزائر…، نحن نعلم قوة إثيوبيا حاليا و نعلم أن بها مقر الإتحاد الإفريقي، و أن قرارات هذا الإتحاد تتأثر كثيرا بعلاقات الرئيس الإثيوبي “أبي أحمد”.
فللقارئ الكريم كامل الحق في النقد و القول كيف أن مجرد قرار الرباط إطلاق مشروع تصنيع أسمدة قيمته حوالي أربعة ملايير دولار، يجعلها جزء من تحالف دولي عظيم…، و كذلك الأمر، لأن تراكم المعطيات هو ما يمنحنا الأحكام و لا يتعلق الأمر بمجرد رأي على وقائع المنفصلة، بمعنى أن النسق العام يحتم علينا بناء التصور بالتوافق مع المستجدات، و القول أن نجاح الرباط في جلب تكنولوجيا الطيران و توطينها و دخول الرباط للنوادي الحصرية في صناعات معقدة كالمحركات و المعالجات الدقيقة و نجاح الرباط في التحول الطاقي و تحقيق شرط الديمقراطية…، أخيرا موافقة أمريكا و بريطانيا و إسرائيل على نقل صناعات عسكرية متطورة و إشراكه في سلسلة الإنتاج العسكرية السرية… كل هذا بالتوازي مع توجه دولة الإحتلال للسيطرة على القارة الموجوعة تجاريا و صناعيا و فلاحيا… و حتى دينيا من أجل التربع على عرش القارة و دخول نادي الـ 50 أقوى اقتصاد عالمي و إنشاء قطبية جديدة بها.
نصل الآن إلى إعطاء الشكل الذي يمكن أن تحصل به المنافسة و الاصطدامات الاقتصادية داخل القارة مع الرباط، و ردة فعل دول من ضمنها جنوب إفريقيا و الجزائر، هنا يمكن التأكيد على أن الأسلوب الذي تتحرك به الرباط اقتصاديا و دبلوماسيا، يجعل من الصعب رصدها أو مجاراتها من طرف الدول الإفريقية، و أن الدول التي يمكنها أن تضايق الرباط هي الدول الأوروبية و الآسيوية التي لها مصالح في إفريقيا، و لاحظنا كيف عجزت الجزائر مثلا عن منافسة المغرب و منعه من السيطرة على الأسواق الإفريقية الغربية، حينما أرسلت قافلة مكونة من 40 شاحنة كبيرة و متوسطة، لم تصل منذ أسبوعين إلى وجهتها في نواديبو عبر الزويرات، بسبب صعوبة الطريق الصحراوي الجزائري، و مشاكل التموين بالمحروقات، و علقت معظم تلك الشاحنات في رمال الصحاري، و تناقلت الصفحات و وسائل الإعلام نداءات السائقين من أجل إغاثتهم…، فيما تبقى العقبة التي سيعاني منها المحتل المغربي و هو يتوغل في الطرق الإفريقية وسط الأدغال، تتمثل في حراس المصالح الاستعمارية القديمة، سيكون على الرباط أن تجابه قوى أوروبية تقليدية، ترى في إفريقيا ذلك الكنز الكبير.
ما نقدمه نحن ليس مجرد مقال للرأي العام الصحراوي، بل هو رأي استشاري يلخص رصدا دقيقا لتطورات الوضع الميداني، و التغيرات التي تصيب موازين القوى و ترجيح الكفة للقوى الصاعدة، و التي من ضمنها الرباط، مهما عاندنا فالأمر أصبح واقعا و جب الإيمان به، و التعامل معه بما تستوجبه المرحلة…، مع العلم أن نخبنا الحالية لا تصلح لهذا الدور، و هي رغم حجم التغيرات لا تزال منقسمة على نفسها بعد نقاش بيزنطي للحكم على قبول الرباط بالمبعوث الجديد، إذ يرى فريق أنه انتصار يضاف إلى جملة الانتصارات الثلاثية الأبعاد التي يصعب رؤيتها دون نظرات خارقة، بينما يرق يرى الفريق الثاني بأن موقف الرباط محض مؤامرة لم تنكشف بعد كل ملامحها…، و مهما كان الخلاف فإن “ريمونتادا” الأخ القائد قلبت مفاهيم القادة الذين ترصدوا هلاكه لتداول السلطة و تذوق لوعة جبروت الكرسي.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك