بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
قالت امرأة ذات ليل لرجل مغرم بغرورها.. “تصبح على شيء مختلف و يشبهني..” و في الصباح أيقظه صوت بومة على النافذة… و أتذكر أن قيادتنا تمنت للشعب الصحراوي المغرم بفشلها، صباحا مختلفا و يشبهها، لهذا استيقظنا على زيارة “هورست كوهلر” الذي جاء إلى المخيمات بعد أن أضاع عصاه السحرية، لقد فقدها عندما مر من الرباط و جاءنا صفر اليدين، و في أول لقاء لكشف النوايا بيننا و بينه قال “أنا لا أمتلك حلولا سحرية”، فهل يعني هذا أن سحر العدو أعظم.. !
هذا المبعوث الألماني الذي اخترت له لقب “هاري بوتر” لأنه لا يؤمن بالحلول التقليدية و صوره لنا إعلام الرابوني كرجل خارق و صاحب القرارات التي لا تبنى على أنصاف الحلول أو أنصاف المواقف، بل قالوا لنا أن كلمته لا تقبل المساومة و أن رأيه حاد جدا كطرف الحسام، و أنه كلما نزل بقضية إلا و كان مصيرها الحل، و هناك من أضاف إلى شخصيته بعض الميتولوجيا و ربط عظمة ألمانيا بحقبة حكمه.
و منذ نزل المبعوث الأممي بالرباط و صحافتنا تترصد خطواته، و لا تتوقف عن الكتابة، تترصد مداخله و مخارجه، فيما صحافة العدو المغربي تكاد لا تعيره أدنى اهتمام، حتى أنني لم أجد غير إشارات بالكاد تدل على أنه مر بالمغرب..، فلم يخص أحد زيارته بتغطية لأنهم منشغلون بما هو أكبر، و لأنهم مقتنعون بكون هذا الملف بلغ من التعقيد ما يجعل أي مبعوث في حاجة إلى وقت طويل للتأقلم مع التنافر الذي يعيش عليه طرفي الصراع، لهذا فضلت صحافتهم التركيز على “الثورة” التي أحدتها الخطاب الأخير لملكهم.
نعود إلى المبعوث الأممي و نزوله بالمخيمات، حيث حضر بعد طول انتظار و بعد جعجعة إعلامية جعلت منه نذير الأمة الصحراوية.. و حفته ملائكة الرابوني و تحلق حوله قادتنا و التقى بتجار القضية و في لقائه بهم واجههم بتلك الصراحة التي انتظروها منه و قال لهم بكل شفافية و وضوح، أنه “لا يمتلك حلولا سحرية”، و أن كل جهوده و كل أمانيه و كل ما يستطيعه… هو العمل على إرجاع العدو إلى طاولة المفاوضات، و إرغامه على مصافحتنا في منتجع أوروبي.
كنا جميعا نعلم بأن الرجل قبل أن يعين في هذه المهمة دون شك عرف حجمها و علم أن هذا المنصب قسم ظهور العديد من المبعوثين و منهم من تسببت له هذه الوساطة في نهاية مأساوية لمسيرته المهنية، ليس لأن لقادتنا قدرة على جعل أي مبعوث بدون وزن أو بدون تأثير، بل لأن الإصطفافات في لعبة التوازنات داخل هذا الملف دائما تميل في رجحانها إلى جهة المحتل المغربي، و يكفي القول أن خلف ملف العدو تقف أوروبا و مجلس التعاون الخليجي و ثلاثة أرباع إفريقيا و نصف أمريكا اللاتينية، التي نصفها الآخر يقف في المنتصف و يمارس الحياد السلبي.
فإلى الأمس القريب كان غاز الجزائر يحدث التوازن و كانت الدول مرغمة على التودد إلى أنابيبها عبر محاباتنا و الترافع لأجل حقوقنا، و كانت تلك الدول أو المنظمات تضغط على أي مبعوث أممي، أما اليوم و بعد أن تراجعت أموال البترول، فقد خذلتنا تلك المجتمعات و حين أصبح مصيرنا بين أيدينا تأكدنا أن قيادتنا لا تستطيع حتى إقناع الإتحاد الإفريقي لأجل ضمان مقعد للمشاركة في محفل إفريقي و هذا الموضوع يطول فيه الكلام لأننا نبهنا إلى خطورة عودة العدو إلى المنتظم الإفريقي الذي انقلب حاله و أصبحنا بداخله كجسم غريب فهل تكفي وعود “كوهلر” لإصلاح أخطاء قيادتنا..؟
.. لقد بلغت بنا القناعة لدرجة الإيمان بأن الألماني ما كان أن يقول عند زيارته إلى المخيمات أكثر مما قاله، و ما كان ليمنينا بأكثر من دعوة العدو للتنازل و التواضع و الجلوس معنا في مفاوضات بائسة، و كأننا أمة لا تنتظر من المستقبل أكثر من رضى العدو عليها، و لا أمل لها في قضيتها.. و أتوقع أنه سيأتي يوم علينا يصبح فيه دور المبعوث الأممي مجرد الاطمئنان على الشعب الصحراوي بأنه لا يزال على قيد الانتظار في خلاء تندوف.