بقلم : الغضنفر
و أنا أقرأ البيان التأبيني في وفاة الرئيس “محمد عبد العزيز” الذي يحمل توقيعات الإطارات الحقوقية و المجموعات المناضلة بالمدن المحتلة و جنوب المغرب و المواقع الجامعية، أثار استغرابي تلك اللائحة الطويلة من الموقعين، و تذكرت قصة “جحا” الذي أحضر لزوجته كيلوغراما من اللحم لتطبخه له، و عندما خرج من المنزل لقضاء حاجة قبل موعد الغذاء، كانت زوجته تطبخ اللحم و تتذوقه بين الفينة و الأخرى بأخذ قطع صغيرة منه إلى أن أتت على الكمية كلها، و حين عاد زوجها “جحا” سألها: أين اللحم؟… قالت: لقد غافلتني القطة و التهمته كاملا؟… فقام “جحا” بإحضار ميزان و وزن القطة فوجد أن وزنها كيلوغرام واحد… حينذاك صاح في زوجته: إذا كان هذا وزن القطة فأين اللحم؟ ….. وإذا كان هذا وزن اللحم فأين القطة؟… لذلك فسؤالي هو: إذا كان لدينا كل هذه الإطارات المناضلة فأين هو النضال؟… وإذا كان هناك نضال فلماذا لا نرى فيه تلك الإطارات؟
و سبب استغرابي و تساؤلاتي أني أعلم بأن الكثير من تلك الإطارات المُوقّعة لم يعد لها وجود في الساحة منذ سنوات عديدة بسبب سياسة “عمر بولسان” الإقصائية تجاه أعضاءها، و بالتالي اعتقد بأن ذلك البيان التأبيني لا مصداقية له؛ لأن “ما يُبنى على باطل فهو باطل”…. البيان التأبيني تمت صياغته خلال الاجتماعات التي عُقدت بدعوة من “حْمَاد حمَّاد”، المعروف بلقب “البايگة”، في الفيلا التي يقيم بها بمدينة العيون المحتلة، خلال الأيام الثلاث الأولى التي أعقبت نبأ الإعلان عن وفاة الزعيم، و كان الغرض من هذه الاجتماعات هو تلميع صورة “عمر بولسان” أمام القيادة الصحراوية، و التغطية على حقيقة الوضع النضالي المتردي بالمناطق المحتلة، حيث أن الجمود الذي يعرفه الحراك الميداني منذ شهور عديدة انعكس سلبا على عدد رسائل التعزية الواردة من الجبهة الداخلية.
هذا التفاعل الباهت مع الحدث الأليم، جعل “عمر بولسان” يدخل على الخط ليعطي تعليماته لأذنابه بضرورة تكثير رسائل النعي، ليس تقديسا لروح الرئيس، و لكن لتكريس تلك الصورة الكاذبة عن وجود شيء اسمه “انتفاضة بالأرض المحتلة”، و مع عجزه عن تحقيق المبتغى كان البيان التأبيني الشامل للعديد من التوقيعات الصورية هو الحل.
و حتى يفقد البيان التأبيني رمزيته تماما، أوكلت مهمة قراءته أمام الكاميرا للفاسق ـ”الكحلوش” –أو “محمد سالم لكحل”- الذي ظهر حليق الشارب على غير عادته و تلا آيات بينات من الذكر الحكيم في مستهل البيان ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) و في خاتمته (وﻻ تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموَاتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون)… و أتساءل بامتعاض عن هذا الاختيار النشاز لهذه ؟ بما أن “الكحلوش” ارتمى في أحضان الرذيلة مع “متو دمبر”، غير عابئ بمصيرعائلته الصغيرة.
كما أني أتساءل لماذا لم يتكلف “الحسين موثيق” أو “لحبيب الديماوي” بمهمة تلاوة البيان التأبيني مع أن كليهما لعب دورا مهما في صياغته؟، و لهما تاريخ نضالي مشرف و ظهرا مجددا في الساحة بعد غياب طويل، و لماذا لم يتم تضمين إطارهما “منتدى الحقيقة و الانصاف” في لائحة الموقعين؟… و لماذا لم تسند قراءة البيان للمختطف السابق بقلعة مكونة “عبدالمجيد الطنجي” الذي أعطى نبذة تاريخية رائعة عن الراحل “محمد عبدالعزيز” خلال ليلة 8 يونيو 2016 بمنزل “صلوح ديلال” بحي “ماعطاالله” الصامد تأبينا للزعيم و احتفاءا بذكرى “يوم الشهيد”.
للأسف، غالبية ممتهني “النضال” عندنا- حتى لا أقول مناضلين بما أنهم يتقاضون مقابلا عن نضالهم-، أصبحوا يمارسون الترف النضالي، بمعنى أنهم يربحون من النضال أكثر مما يقدمون من مجهودات للقضية، و خير مثال على ذلك هي سفريات “الغالية الدجيمي” المتتالية لجنيف للمشاركة في المجلس الأممي لحقوق الإنسان، و كأنها الوحيدة التي تعرف كيف ترافع بالمنتديات الدولية.
هذه الطينة من “المناضلين” هم أناس يعيشون على الوهم بأبهى صوره: مناضلون بدون نضال وحقوقيون لا يفقهون معنى حقوق الإنسان،”مناضلون” يبيعون الوهم للقيادة الصحراوية و الغريب أنهم يصدقون ما يتوهموا.. مناضلون همهم الوحيد، هو تزييف الواقع، حتى لا تحاسبهم القيادة على تقصيرهم النضالي و على مآل المال الذي وزعوه بينهم.
المناضل الحقيقي يمارس النقد الذاتي ويرصد أخطاء الآخرين لتصحيحها ولا يصيد في المياه العكرة. المناضل الحقيقي يحقن مثل الطبيب ولا يلسع مثل الحية، المناضل الحقيقي مناضل لا يقبل أن يكون مأجوراً، بل إنه مستعد لدفع الثمن.