بـقـلـم : أغيلاس
ما كنا لنتهم صحفي و نحن نقاسمه هموم المهنة و مخاض الكتابة بكل وجع، و ما يليق بنا أن نقف في غير الزاوية التي يقف فيها زميل مهنة المصاعب حين يتهم…، لكننا سنقتبس من منطق “نيتشه” الفيلسوف الألماني الكبير حين قال في مؤلفه “ما وراء الخير و الشر” : “ليحذر ذلك الذي يحارب الوحوش من أن يتحول هو ذاته إلى وحش، عندما تحدق في الجحيم طويلاً فإن الجحيم سيحدق فيك أيضاً…”، سنبتعد عن الصحفي قليلا و نفتح هذه المرة عين التحقيق على منظمة “امنستي انترناسيونال” (العفو الدولية) التي حاربت الحكومات و الأنظمة الديكتاتورية، و واجهت كل أشكال الاستغلال و التسلط و العنصرية… لكن المحتل المغربي واجه المنظمة بحملة مسعورة معاكسة، و أحرجها كثيرا و جعلها تبدو كثقب أسود للحقوق في العالم، تتبنى قضايا الضحايا و تستغلهم ببشاعة لتبتز الأنظمة…، فهل فعلا المنظمة وكالة للسمسرة الحقوقية ؟…، أم أن الأمر مجرد حملة تشهير للنيل من مصداقية المنظمة و إسقاطها في مستنقع الشبهات؟ ثم السؤال الأهم بالنسبة للقضية الصحراوية؛ هل هناك تأثير لهذا الموضوع على القضية الصحراوية؟ خصوصا و أن كثيرا من الملفات الحقوقية الصحراوية منذ سنوات الحرب مع المحتل المغربي، كالمختطفين و مجهولي المصير و المعتقلين كان لهذه المنظمة الفضل في حل جزء كبير منهم، .. اليوم نحن بصدد النبش في الحديقة الخلفية لـ “أمنستي” بحثا عن الحقيقة المجردة.
لا تهم اسم التكنولوجيا و جنسيتها التي ذكرها تقرير “امنستي”، و التي تقول أن المغرب يستخدمها للتجسس على الهواتف، و لا تهمنا مواقف المحتل و لا تقارير المنظمة، بل الأمر أشد عمقا، لأن سر الأزمة الحالية بين سلطات الرباط و “أمنستي” يؤكد بأن الأخيرة في موقف ضعف و أن خصمها يوجد في موقف متقدم جدا على مستوى التحكم في المعلومة، و أنه يساير الدول المتطورة التي تخوض اليوم في الكواليس حربا ضروسا على تكنولوجيا 5G، لأن حكومة المغرب حين هاجمت المنظمة الحقوقية الدولية، وضعت التقارير و الأدلة رهن إشارة الجميع فيما “أمنستي” ظلت تروج للأخبار و لم تنشر إلى اللحظة أي دليل على كلامها.
إذ تعود جذور الخلاف إلى تسريبات “إدوارد سنودن” على موقع “ويكيليكس” الشهير لسنة 2013، الذي فضح هوية ضابط بريطاني تابع لجهاز الاستخبار MI6 المتخصص في التجسس لصالح بلاده، و كان الضابط يشتغل حسب الوثائق المسربة على شمال إفريقيا و منطقة جبل طارق، و الكشف عن هويته في التسريبات اضطرته إلى التواري قليلا عن واجهة الأحداث خصوصا و أن الوثائق عززت توريطه في عمليات التجسس من خلال نشر سيرته، و بعد سنوات من الغياب عاد هذا الضابط ليشتغل بقوة لكن مع اعتماده على أسلوب جديد يتمثل في تجنيد إعلاميين و مؤثرين في الفضاء الازرق؛ و حسب المعلومات المتوفرة على الشبكة العنكبوتية فإن الضابط البريطاني زاد من وثيرة عمله بعد أن قررت الرباط ترسيم حدودها البحرية مع الأسبان.
إلى حدود هنا تبدو الأمور طبيعية و البريطانيين غير مؤثرين في المشهد السياسي لشمال إفريقيا، و الصحفي “عمر الراضي” ربما كان يجهل الهوية الحقيقية للضابط البريطاني الذي كان من سوابقه أنه كان مخبرا في طهران وكابول وموسكو…، و كان مستشارا سياسيا للمفوضية العليا البريطانية في أوتاوا بكندا، حيث بدأ “عمر الراضي” يكتب مقالات و تدوينات على المقاس الذي يريده الضابط البريطاني، و يتلقى في المقابل أموالا على كل خدماته الإعلامية…، و حسب وسائل إعلام فإن أجهزة الاستخبارات مغربية كانت تتابع عن كثب تلك العلاقة التي تنمو في صمت، و حينما استشعرت أن الصحفي بدأ ينبش في القضايا الحساسة للبلاد و ينشر ما يسيء لها، عمدت إلى متابعته و كان الاعتقال.
خروج “أمنستي” للدفاع عن “عمر الراضي” بكل استماتة و نشر المنظمة لتقرير حقوقي قاتم اللون عن الوضع الحقوقي بالمغرب، جعل الرباط تتصرف بردة فعل قوية، مع العلم أن القياس كان يقتضي أن يجيبها حقوقيون من المغرب، لكن الدولة في شخص الحكومة فضلت أن تكون الطرف المتواجه مع المنظمة لأنها هاجمت أجهزتها الأمنية، و كشفت عما يسمى حاليا بالقنبلة الحقوقية، حيث قالت الرباط أن المنظمة باعتبارها ذات جنسية بريطانية، فقد جيّشت كل ما هو متاح لها للهجوم على المغرب و استهدافها حقوقيا لتقويض المسار الديمقراطي الذي تعيشه دولة الاحتلال، و زادت الرباط في التبرير بأن المنظمة أكثر من مجرد هيئة للدفاع عن المضطهدين، و الدليل أنها تريد فرض صفة الضحية على صحفي لتبرير تجنيده كعميل لصالح المخابرات البريطانية، و يضيف نشطاء مغاربة دعما لموقف بلادهم، أن الأمر لو عكس و كان الصحفي بريطاني و الضابط المُجَنِّد له مغربيا، لتحركت أساطيل المملكة البريطانية و حاصرة القارة الإفريقية.
تزداد الأجواء غرابة بدخول حقوقيين مغاربة على الخط يدافعون عن موقف بلادهم ضد “امنستي”، و يشهدون أنهم كانوا ضحايا للمنظمة التي استغلت ضعفهم في زمن ما، و عمدت إلى ابتزاز الدولة من خلالهم لجني الأرباح أو للحصول على مصالح أو مواقف سياسية لصاح طرف معين، كتدخلها في حراك الريف لحماية تجار مخدرات مغاربة ينشطون فوق التراب الهولندي؛ هذه الشهادات -مع كامل الأسف- مدعومة بدلائل و بمواقف فعلية، و نحن لا نتحامل مع جهة ضد أخرى بقدر ما أننا نبحث عن الحقيقة المدفونة في قلب الفوضى الحقوقية لهذه المنظمة، خصوصا و أن كثيرا من المناضلين الصحراويين تعاملوا معها في سنوات سابقة و تتنكر لهم اليوم، فالمنظمة فقدت في السنوات الأخيرة، خصوصا منذ اندلاع الربيع العربي، الكثير من مصداقيتها بسبب تقاريرها التي تعتمد على المبالغة حسب مراصد دولية حقوقية، لإحراج الدول، و الدليل تكتمها الشديد و غير المبرر في ملفات اكثر فضاعة على المستوى الحقوقي، كالملف السوري و اليمني و الليبي، و تجاهلها لجرائم الحرب التي تقع هناك، و التجاوزات التي تقع بشكل يومي في كل من مصر و الاعتقالات التي لا تتوقف في الحراك الجزائري…، ثم تركيزها كل الجهد للدفاع عن صحفي مغربي متورط في علاقة مشبوهة مع ضابط استخبارات بريطاني، و له سوابق في تجنيد الإعلاميين المشبوهين.
بعد النبش في تاريخ القضايا التي اهتمت بها المنظمة، و التقارير الضخمة التي أفردتها في مواقف و مواقع مختلفة، تبدو المنظمة و كأنها تخوض معارك سياسية-اديولوجية لصالح أطراف غير ظاهرة تحت غطاء حقوقي، و أن الأمر أكبر من لعبها لدور المدافع الكوني عن الحقوق لأجل تحرير الإنسان، لأن جميع الأنظمة التي واجهتها “أمنستي” تقارير سوداء هي أنظمة غير بترولية، و نذكر هنا بقضية “خاشقجي” و كيف تفادت المنظمة الدخول في صراع مع النظام السعودي و اكتفت بدعوة الرياض إلى وقف التضييق على الحقوقيين، فيما لم تقدم المنظمة ما يشفع لها في ملفات و حوادث العنصرية فوق التراب الأمريكي، و خصت مقتل “فلويد” علي يد الشرطة الأمريكية بمقال حقوقي لطيف جدا من ستة أسطر عنونته بـ “آن الأوان لإصلاح الشرطة في الولايات المتحدة الأمريكية”،و لم تعلق المنظمة على مقتل “إلياس الطاهري” المواطن المغربي في إسبانيا… !، و كان الأمر مثيرا للريبة و التساؤل؟ !!!!
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك