بـقـلـم: حـسـام الـصـحـراء
لي أمنية أعرف أنها لن تتحقق، و لكني سأبوح بها.. بأن تندثر كل أسلاك صبيب االشبكة العنكبوتية، العابرة للبحار و المزودة للقارات تلك التكنولوجيا المزعجة و المرهقة، و لو ان هذا الامر سيوقف وصول كتاباتي اليكم، و أن تنزع أحوال الطقس جميع الصحون و اللاقطات الهوائية..، و أن تنهار خدمات الهاتف الذكي و تتعطل موجات البث الإذاعي و التلفزي، فنجد بعدها أنفسنا و قد عدنا إلى زمن الكتابة على الجلد و الأوراق و المراسلات بالحمام الزاجل..، لأن سرعة ما يحصل من أحداث و هول انتشار ما يتم ترويجه من أخبار، تكاد تحرمني شهية الطعام و الشراب، و تدخل بي مرحلة الاكتئاب الصحفي، بعد أن أصبح كل خبر أطّلع عليه، مقدمة لكارثة تعصف بمخزون الصبر و الأمل الذي بالكاد أستطيع تخزينه تحسبا للأشهر القادمة، و إني لأراها أشهرا تعيسة و كدرة و لا طاقة لنا عليها بالمخيمات و بالأراضي المحتلة..
فبعد أن وُضِعَ ملف المختطف “الخليل أحمد” أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف و دخول القضية مرحلة التدويل (كما سبق و أوضحنا في المقالات السابقة)، ها هو الإهمال التي تعاملت به القيادة مع هذا الملف يلد لنا امورا تجعل من قضيته مصيبة بحجم الجبال و ثقلها، و الأكثر أن هذا التسارع في الأحداث الخاصة بهذا الملف يتزامن و الظرفية السيئة لقضية حقوق الإنسان داخل المخيمات، و أيضا يفتح جراح مرحلة اعتقدنا أنها طويت الى غير رجعة، و كان من السهل جدا معالجتها و التخلص من آثارها الجانبية عبر اعتماد الحوار المباشر، و الصريح دون إعطاء الوعود و التسويفات التي تزيد من الانتظار و ترفع درجات الغضب و الغليان.
فقد قامت – هذه المرة- منظمة “الكرامة” السويسرية بتبني قضية “الخليل احمد” و انجزت تحقيقا عنه عبر شريط وثائقي مصور بتقنية عالية، دمجت فيه شهادة ابنه “رشيد بريه” و كشفت خلاله عن وقائع تدين القيادة الصحراوية، و تضع أيضا سلطات الجزائر الحليفة في واجهة الاتهامات بخرق قوانين حقوق الأفراد في ملف الاختطاف القسري لرجل كل تهمته أنه كان مكلفا بملف حقوق الإنسان بالمخيمات، و ربما اطلع و نبش في امور هي من الطابوهات في قضيتنا الوطنية، فكان مصيره السجن و ربما انتهى تمت تصفيته.
“رشيد بريه” يظهر في الشريط الوثائقي و هو يتحدث بكل ثقة عن مسؤولية القيادة الصحراوية و السلطات الجزائرية في اختفاء والده، و يتهمهما بشكل واضح بتدبير اختطافه، بعد أن حكى ما يعتقد انها سبب استدراج والده الى العاصمة الجزائرية و اعتقاله بسجن عسكري بالجزائر، حيث قال : “أن آخر منصب شغله الخليل أحمد، كان مسؤول داخل الحكومة الصحراوية مكلف بحقوق الإنسان، و أنه كانت له خلافات واضحة و غير مخفية مع قادة البوليساريو بسبب إطلاعه على الكثير من أسرار الدولة”، و يضيف الابن: “لقد كان والدي منشغلا بتدوين مذكراته التي تتحدث عن الفترة ما بين ثمانينيات و تسعينيات القرن الماضي و هي الفترة التي حدثت فيها تصفيات داخل القضية الصحراوية و تعرف تلك المرحلة باسم ايام الشغب'”.
و يحكي “رشيد” السيناريو الذي تم حبكه للإيقاع بـ “الخليل أحمد”، بعدما ارسله الرئيس الصحراوي السابق “محمد عبد العزيز” إلى العاصمة الجزائر، من أجل إلقاء محاضرة في إحدى جامعاتها، و قد أقام في السفارة الصحراوية بالعاصمة، و عند خروجه منها لامتطاء السيارة التي حضرت لتقله إلى الجامعة الموعودة، فوجئ بتوقف سيارات أمام السفارة و خرج منهم أربعة أفراد مجهولين أرغموه بالقوة على الصعود إلى إحداها، و انطلقت به إلى وجهة مجهولة..، لتنقطع أخباره بعد ذلك.
بعد حوالي الشهرين – يؤكد “رشيد”- نجح أخوه الأكبر في التوصل إلى مكان تواجد والده، و هو سجن عسكري يدعى “سجن البليدة “، و تمكن من لقاءه هناك لمدة عشرون دقيقة ثم انقطعت أخباره إلى اليوم، لتبقى الأسئلة المحيرة و العالقة : لماذا تم سجنه دون محاكمة ؟ و لماذا أخذ إلى السجن العسكري و ليس المدني ؟ ثم أين هي تلك المذكرات التي تسببت في اختطافه ؟ و ماذا كانت تحتويه حتى تضطر الجزائر إلى إخفاءه؟ و ما دور القيادة الصحراوية في كل ما جرى لـه؟ و أخيرا لماذا أنكرت القيادة سجنه منذ البداية رغم أنها من دبر له المكيدة ؟
جزء من الجواب على كل هذه الأسئلة يوجد في الوثائقي و ما يتضمنه من وقائع حيث يقول “رشيد بريه” أنه اتصل بمنظمة “أمنيستي انترناشيونال”، و أجابته أن البحث في الموضوع صعب جدا لأنه مرتبط بالسجون العسكرية الجزائرية، و هذا يعني بأن الجزائر في قضايا حقوق الإنسان تجعل من سجونها ثقبا أسودا، يصعب الحصول منها على لوائح للسجناء و أماكنهم و يستحيل الإطلاع على ملفاتهم إن وجدت، لأن أغلب السجناء لا يتوفرون على ملفات، و لا تعرف التهم التي يتابعون من أجلها، و أن معظم نزلاء السجون العسكرية الجزائرية مختطفون و لا تعلم أسرهم مكانهم، فهم ببساطة ضحايا نظام دكتاتوري.. هذا ما أرادت شرحه منظمة “أمنيستي” للابن المكلوم “رشيد”، لكن الحقيقة ان هذه المنظمة بدورها متورطة في الموضوع و لو بالتزام الصمت، ما دام النظام الجزائري زبونا لها يدفع بسخاء لإسكات أقلامها عن كتابة تقارير تدينه و إقناع محققيها لشطب السجون الجزائرية من القائمة السوداء للمنظمة.
بعد هذا الوثائقي الذي أنجز حول “الخليل أحمد”، من طرف منظمة “الكرامة” السويسرية ، أكاد أجزم أن المعارك الدبلوماسية القادمة، لن تكون بيننا و بين المحتل، بل ستكون بين الشعب الصحراوي و قيادته، و على القيادة أن تترافع أمام المنظمات الدولية لتعيد الثقة إلى الشعب في مواقفها، و على الشعب أن يضغط بكل ثقله و قوته لكشف مصير “الخليل أحمد” و محاسبة الجناة….
و لمشاهدة الشريط الوثائقي المرجو الضغط على الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=eG811o5DpQ8
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك