بـقـلـم : أغيلاس
و أنا أنتظر مع المتأملين ردة فعل القيادة الصحراوية التي كما عادتها ستعبر عن ارتياحها لهذا القرار امعانا في تسفيه ذكاءنا، تذكرت حوار دار بين رجلين متخاصمين أحدهما ساءت أموره و أثخنه الزمن و أثكل قلبه بالطعنات و مع ذلك دخل عليه غريمه بعدما أشفق عليه، فوجده على المائدة يأكل بشراهة، و لذهول الخصم من المنظر، لم يلقي عليه تحية السلام بل بادره بالسؤال: كيف استطعت ذلك؟… كيف تجاوزت الأمر و كأنك لم تتحطم؟، فأجابه ببساطة: أنا لا أمتلك رفاهية الانهيار… أنا مجبر على ذلك… مجبر على العيش مع أوجاعي…!!!!.…
و كذلك نحن الشعب الصحراوي، لا نمتلك رفاهية البكاء و نَذْبِ الهزائم، فقد تساوت لدينا المشاعر ببعضها، فليلنا بؤس و صباحنا يأس و بينهما هزل كبير… تتكرر علينا الأوجاع حتى أصبحت قوت يومنا الروحي… فلا يطيب لنا يوم يمر دون أن نتدوق من علقم الهزائم أجمل ما أعده لنا المحتل.
كنت أعلم بأن القيادة لن تستطيع الوفاء لنا بما تعهدت به، و لا تمتلك القدرة على مجاراة دبلوماسية المحتل و انتزاع تعاطف دولي في فقرة أو اثنتين ضمن ديباجة قرار مجلس الأمن، بل تعجز عن تضمينه نصف جملة لصالح قضيتنا، و أعلم أيضا أن النصر له عقيدة و ثقافة، و أن النصر ليس مثل الحظ فهو لا يحابي أحدا، فإما أن تكون جامعا… ملما… قادرا.. و ذا عزيمة، و إما أن تقبل بالهزيمة و تخضع لذلها…، و القيادة قبلت بالهزيمة و فقدت العزيمة، و لا أسهل عليها من أن تتحمل جرعات الذل و تصرح للصحافة فاغرة فمها : “لقد تلقينا التقرير بصدر رحب و فيه إيجابيات و نقاط انتصار”، فيما نحن يشدنا الذهول من تلك التصريحات لوقاحتها و جرأتها رغم علم القيادة أنها تجانب الحقيقة و لا تكفي لحفظ ماء وجهها أمامنا على الأقل.
القرار الجديد لمجلس الأمن رقم 2468 يعتبر الأسوأ في تاريخ القضية الصحراوية، و يتجاهل طرح الاستفتاء جملة و تفصيلا، حيث نجح المحتل المغربي في آخر لحظة و كعادته بتنقيح و تعديل المسودة الأمريكية التي سُرّب لنا على أنها ستكون استثنائية، و تتضمن نصرا كبيرا للشعب الصحراوي، و ستعيد للقيادة الصحراوية حمرة وجهها التي فقدتها في السنوات الأخيرة،.. هذا التقرير الأممي الذي جاء بصيغة خشبية يؤكد كيف أن أمريكا تعجز للمرة الثالثة على التوالي في أن تضمن نص القرار فقرة توسيع صلاحيات المينورصو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، بل الأكثر من ذلك فقد قلب المحتل الطاولة على القيادة و جدد التقرير مطلب إحصاء الساكنة من اجل مساعدة المنتظم الدولي على تركيز معوناته و توجيهها بشكل صحيح إلى المخيمات.
يبدو أن التقرير الأخير تأثر بما تم إذاعته من طرف إعلام المحتل، و أقصد هنا الوثائقي الذي أخرجته الصحفية الإسبانية “باتريسيا مدجيدي رويز“ حيث ركز التقرير على الوضع الإنساني المزري بالمخيمات و دعى الدول المانحة لتقديم مساعدات إضافية إلى ساكنة المخيمات في الإشارة إلى الوضع البائس الذي لم يعد يخفى على أحد، و في توصية ما قبل الأخيرة بالتقرير “يطالب مجلس الأمن من البعثة بأن تقوم باتخاذ التدابير اللازمة لكفالة امتثال جميع أفراد البعثة امتثالا تاما لسياسة الأمم المتحدة لعدم التسامح مطلقا بشأن الاستغلال والاعتداء الجنسيين وأن يبقي المجلس على علم تام من خلال تقاريره المقدمة إلى المجلس بشأن تقدم البعثة في هذا الصدد”.
هذه التوصية الأخيرة مؤشر على آن الأمم المتحدة و مجلس الأمن قريبين جدا من اتخاذ قرار فتح التحقيق في قضايا حقوق الإنسان بالمخيمات، و تشير أيضا إلى أن الأمم المتحدة أخذت علما من غير شك بشهادة الشاب الصحراوي “المحفوظ محمد محمود“ الذي تعرض للاغتصاب لمجرد أن طالب بحقوقه، و هذه إشارة خطيرة على القيادة الانتباه إليها، و عدم تسويق الكلام الفارغ في وسائل الإعلام، لأنها حاولت السنة الماضية تحويل قرار تقليص شهور بعثة المينورصو إلى نصر، و لأن حبل الكذب قصير فاليوم بهت إدعائها و تأكد أن الخطوة تصب في صالح المحتل، لأن ضيق المسافة بين قرارات مجلس الأمن ساعد المحتل في الضغط على المنظومة الدولية و بدأ تسريع التعديلات، حيث أسقط حقنا في الاستفتاء و قبل ذلك منعنا من إدراج مراقبة حقوق الإنسان ضمن مهام المينورصو، و بدأ يشير إلى تحويل معركة حقوق الانسان لداخل المخيمات عبر نقل واقع المعانات من داخل المخيمات إلى طاولة مجلس الأمن.
علينا أن نؤمن بالوضع الجديد، و علينا الاعتراف بان المحتل قوته تتجاوز ما نعرفه، و إذا ما كنا قد وصفناه في مقالات سابقة بالأخطبوط ذا الأذرع الثمانية فقد أخطأنا الوصف لأنه أشبه بالوحش الأسطوري “شيلا”، صاحب الأعناق الستة و الأذرع المائة، في ملحمة الإليادة، حيث كلما قطع له ذراع إلا و نبت مكانه ذراعان، و هكذا هو حالنا مع عدونا، و ما على القيادة غير التأقلم مع الوضع، و إذا ما كان من أحد يجب أن يعبر عن ارتياحه لقرار مجلس الأمن 2468، فمن غير شك سيكون المحتل المغربي الذي مر إلى مرحلة تسويق مأساة الشعب الصحراوي، و التي تتزامن مع حالة الحصار المضروبة على المخيمات من طرف الجزائر و الجيش الصحراوي، و ارتفاع وثيرة الاحتجاجات سيرا على ما يحصل في الجزائر العاصمة، أي أن مخرجات القرار تتلاءم و طعون المحتل.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك