بقلم: حسام الصحراء
قد يبدو هذا العنوان منذ الوهلة الأولى متوغلا في الجنون، لكن بعض الفطنة فقط تكفي القارئ الصحراوي ليفهم أن القضية اليوم تعيش تلوثا لا يقل خطورة عن ذلك الذي يغرق فيه الكوكب الأزرق… على الأقل مسؤوليتنا ثابتة عن تلوت القضية فيما براءتنا من تلوت المناخ يمكن الجزم فيها بسهولة، هذه البراءة التي أتبتها التجاهل المتعمد من قادة العالم لمسؤولينا، إذ لم يطلب أحد خبرتهم العظيمة في قضايا الكون المعقدة لا قبل و لا خلال و لا بعد المؤتمر، و كذلك لأن عدد أفراد شعبنا الصحراوي يستحيل عليهم أن يستهلكوا الأكسجين أكثر من الصينيين و الهنود و الأمريكيين و الروس .
غير أن الأسباب تضل كثيرة و يصعب حصرها في مقال منفرد، لهذا سنترفع عنها و نتجاهلها، و سنركز على التلوث الذي تغرق فيه القضية، كما أنها المرة الأولى التي نسقط فيها مسؤولية العدو المغربي، ليس دفاعا عنه، بل من باب سد الذرائع أمام قياديينا، الذين استنفذوا كل الأساليب المباحة و المحرمة لإنتاج نضال عقيم و هلامي الأهداف و لا يراعي أي مصلحة للشعب، و هذا ما يجعلنا كصحافة نتبنى ما سيتم الإعلان عليه من توصيات خلال قمة باريس و تنزيلها على القضية لخفض حرارة الشعب الصحراوي الناقم على الوضع و لو مؤقتا…لكن وجب منا تشخيص الحالة أولا.
فالقضية تعاني من احتباس دبلوماسي حاد ناتج عن اضطرابات نضالية أدت إلى خلل في المنظومة الإيكوسياسية بالبيت الأصفر، غير أن الأمر لم يتوقف هنا فقد تطور ليتسبب في ثقب بطبقات آمال الشعب الصحراوي، الشيء الذي يهدد الكائنات القيادية داخل البيت الأصفر بالاندثار بسبب ارتفاع درجات السخط الشعبي و بداية ذوبان جبال الصبر في القطبين (الأراضي المحتلة و مخيمات تندوف).
كما أن الانبعاثات اللفظية التي تتركها المداخن السياسية بالجزائر تضل سببا رئيسيا لارتفاع منسوب التلوث الذي يصيب أيدي و عقول القيادة، لهذا يمكن القول على أن الجزائر حولت مخيمات تندوف إلى مقبرة لنفاياتها السياسية المشعة، و هذا ما ينذر بقرب إعلان منطقة تندوف كأرض منكوبة، خصوصا بعد التقارير الدولية الكثيرة من الإتحاد الأوروبي و من المراصد الدولية غير الحكومية، و التي دقت ناقوس الخطر بعد أن كشفت مختبراتها السياسية عن مستويات قياسية من التلوث السياسي غير المسبوق، خصوصا و أن مخلفات غرق سفينة المساعدات في السواحل الرملية بين مالي و موريتانيا و تندوف لا يزال يهدد سلامة اللاجئين.
و يكاد يجمع الخبراء على أن التلوث يصنف في ثلاثة مستويات، أوله التلوث المقبول، أي أنه طبيعي و غريزي في الإنسان، حيث يتسبب جشع هذا المخلوق في رفع وثيرة الأرباح لجمع الثروة عبر الإنتاج المفرط للوعود و الأكاذيب، وقد نجح الإنسان القيادي الصحراوي من الارتقاء في التصنيف العالمي لفقدان الشفافية و المصداقية بعد ما تمكن من رفع وثيرة النهب عبر إقناع الشعب الصحراوي أن الأمر يصب في المصلحة الوطنية العليا، ثم المستوى الثاني و هو التلوث الخطر الذي ينتج عن الإفراط في التخلص من الأخلاق و الاستهانة بالشعب، و التوغل في تدمير مبادئ القضية و تهديد توازن المؤمنين بها بتخريب غابات الأمل و حرق حقول الأماني، ثم المستوى الثالث و هو الأخطر على الإطلاق و يسمى التلوّث المدمر، هذه المرحلة يمكن أن تكون مرحلة متقدّمة للتلوث الخطر، حيث و مهما حاول المناضلون إنعاش القضية و جعلها تعطي أكثر لتعيد التوازن لنظامها البيو- سياسي، فإنّها لا تستطيع، وتحتاج لعشرات السنين من الإقناع و التضحيات لاسترجاع الثقة إلى الشعب، هذا إن توقفت أيدي الإنسان القيادي الصحراوي عن التدمير و النهب و التخريب.
و في انتظار ما ستطرحه قمة باريس من توصيات قد تمكن في حالة تبنيها من طرف القيادة من تغيير الواقع المزري للقضية، نترك للقارئ بعض التساؤلات المبهمة نسبيا، ليس بغرض الفهم و إنما بغرض التهكم، و لا نعتذر على الأمر لأن حرية التعبير تقتضي هذا الوضع…، و إلا فليشرح لنا أحد لماذا قاد المغرب الوفود الإفريقية في قمة باريس و هو غير عضو في الإتحاد الإفريقي؟ … و لماذا خفتَ نجم “عبد المالك سلال” الذي لم نره إلا بصعوبة لحظة التقاط الصورة الجماعية لقادة دول العالم، حيث ظهر في عمق الصورة أمام الجدار الخلفي كتلميذ غير مجتهد وضعه القدر في فصل النجباء؟… و كأنه جاء لأخذ التوصيات مثلنا بغية تنظيف قصر المرادية،… على الأقل نحن بقينا بعيدين عن الإحراج و ننتظر أن تطبق تلك التوصيات حتى يصبح مناخ لحمادة رحيم بأهالينا… فالخمول له رفاهية خاصة رغم أنه مكلف.