بقلم: الغضنفر
قال “هو شي منه”، قائد الثورة الفيتنامية ضد الاحتلال الفرنسي و بعده الغزو الأمريكي لبلده : “إذا أردت أن تفسد ثورة فما عليك إلا أن تغرقها بالمال“،…مقولة استحضرها دائما و أنا أرى كيف أن الثورة الصحراوية – في حربها المسلحة ضد المحتل المغربي- استفادت من التجربة الفيتنامية، عندما استلهمت منها “حرب العصابات”، و كيف استولت”العصابات”، سواء داخل قيادتنا الرشيدة أو في أراضينا المحتلة، على هذه الثورة ليحولوها إلى مصدر للثروة.
أعرف مسبقا حساسية ما سأكتب عنه ومخاطر التعاطي مع هذا الموضوع، ولكن حق الدفاع الشرعي عن الثورة والوطن يصبح واجبا لا مفر منه، وهذا يتطلب أن نقف وقفة رجلا واحد في مواجهة الانحراف السياسي والمالي للثورة الصحراوية، خصوصا و نحن مقبلون على تنظيم المؤتمر الرابع عشر لممثلنا الشرعي، الذي يجب أن يكون محطة حاسمة للقطيعة مع كل أساليب الفساد و الإفساد السياسي السابقة، التي لم تجلب سوى الكوارث للقضية الوطنية.
و قبل هذا كله، يجب أن تكون لنا الجرأة للإجابة بوضوح عن مجموعة من الأسئلة من قبيل: ماذا يعني أن تستمر انتفاضة الاستقلال لأكثر من 10 سنوات دون أن يتغير شيء؟… ما هي شروط النضال الحقيقية للعبور إلى الدولة الصحراوية المستقلة المنشودة؟… وهل يسير النضال الصحراوي فعلا بهذا الاتجاه؟… هل تبعث المؤشرات والمعطيات على التفاؤل أم التشاؤم؟… هل توجد خارطة طريق واضحة المعالم لانتصار النضال الصحراوي؟… وهل يجوز الاستمرار في تبرير كل الفشل بأعذار واهية وخداع الناس بالشعارات والوعود الحالمة من قبيل سنة “الاستنفار” و سنة “الحسم و سنة “الوحدة الوطنية”؟
حقيقة لا أعرف إن كانت القيادة الصحراوية قد وصلت إلى قناعة خطيرة مفادها أن أسلوب غراب كناريا “عمر بولسان” بالمناطق المحتلة، المبني أساسا على اللعب على سلطة المال كطريقة للاستقطاب و التحفيز على الفعل الوطني، قد أفسد العملية النضالية برمتها سواء بمدن الصحراء الغربية أو جنوب المغرب أو المواقع الجامعية، و بالتالي أصبحت الثورة الصحراوية مرهونة بين أيدي أشباه المناضلين، الذين يفكرون دوما في نصيبهم من الدعم المالي، أكثر من تفكيرهم في إنتاج أساليب راقية للمقاومة الصحراوية.
الخلل ليس بالمال والدعم، فهو ضروري لنجاح كل ثورة … لكن بالفوضى التي يدار بها و بالوجوه التي تحتكره كل مرة و تصرفه في أمور شخصية لا علاقة لها بالنضال، حيث بلغني بأن “مكتب كناريا” قد أرسل – خلال اليومين الأخيرين – دعما ماليا جديدا إلى الإطارات الحقوقية و الإعلامية الصحراوية، التي سيشارك مندوبون عنها في أشغال المؤتمر، و تراوحت قيمة المبالغ بين 3000 و 15000 درهم لكل إطار حسب أهميته بالنسبة لـ”عمر بولسان” … و هنا أطرح سؤالين استفزازين لمشاعرنا الوطنية، ما معنى هذا الدعم في هذه الظرفية بالذات مع العلم أن أهالينا بالمخيمات مازالوا يبيتون في العراء بعد كارثة القياضانات الأخيرة؟…ألم يكن من باب الأخلاق و الروح الوطنية أن يتم تحويله لهؤلاء المتضررين؟
للأسف، هذه الأموال يتم توزيعها بنفس أساليب المحسوبية و الولاءات، بحيث لم يستفد منها إلا أسماء بعينها، الذين نسوا بأن المناضلين الحقيقيين واجب عليهم التحرك دون انتظار الجزاء و لا الشكر من أحد ، في حين أصبح هؤلاء -المنعم عليهم- مجرد موظفين لدى القيادة الصحراوية، ينتظرون رواتبهم الدورية و يحتجون في حال تأخرها،… و الغريب أن تلك الدراهم لا يتم صرفها من اجل دعم الانتفاضة بل يتم تقاسمها بين بعض أعضاء الإطارات المستفيدة، كغنيمة شخصية، غالبا ما تنتهي في جيوب بائعي المخدرات المغاربة، كما هو الحال –على سبيل المثال- بالنسبة للحشاش “علي السعوني” و مجموعته.
الحديث عن هذه الأموال وغيرها يثير الأسى والحزن والتوق للمحاسبة، خصوصا و أن “عمر بولسان” كلما حاصرته أسئلة القيادة حول الركود و الجمود الذي تعرفه الساحة النضالية بالمناطق المحتلة إلا و تحجج أمامها بضعف إمكانيات المناضلين، مع العلم بأنه – بالإضافة الى المال- أرسل خلال السنوات الأخيرة المئات من الكاميرات الرقمية و الحواسيب إلى مختلف الإطارات، دون أن يحقق ذلك النتائج المرجوة للقضية الوطنية، و هي معدات غالبا ما يتم بيعها ، و الادعاء أمام المناضلين أن سلطات الاحتلال قد استولت عليها…و هو طريقة خبيثة للتغطية على سرقة تلك الأدوات من طرف بعض المناضلين الجشعين.
هنا وجب التذكير بأن الدخول الرسمي للمال في منظومة النضال الصحراوي بالمناظق المحتلة ، كان مع انطلاق انتفاضة الاستقلال في شهر مايو من سنة 2005، و شكل ذلك منعطفا خطيرا في الثورة الصحراوية، بحيث أصبحنا نلاحظ استقطاب المناضلين ليس حول المواقف والأيديولوجيات، بل حول الدعم و الاستفادة من رحلات بالخارج، لذلك لا يجب أن نستغرب وجود خلافات حادة بين المناضلين، حتى الحقيقيين منهم لأنهم ببساطة يحسون بنوع من “الحكرة” بسبب عدم إدراج إطاراتهم ضمن لائحة المستفيدين، و هذا الأمر أدى إلى احتكار الساحة من طرف شريحة أذناب غراب كناريا، التي أصبحت تتملك – بفضل قوة المال – عناصر كاتم الصوت وخنق الأنفاس وتقييد الحركة لكل المناضلين الشرفاء.
سألني صديق اطلع على مسودة المقال و قال لي ماذا يجب أن نفعل!! قلت له هذا مجرد تشخيص لواقع حقيقي يجب على القيادة الوطنية الجديدة التي سيفرزها المؤتمر القادم أن تفهمه لتقويمه،… و ختاما دعونا لا نقول “ناديت إذا أسمعت حيا…. فلم يعد في العمر أو القضية بقية” …. لا نقول ذلك يئسا وإنما إدراكا لما يمكن إدراكه… ولا نامت أعين الجبناء.