بقلم : القطامي
تابعنا كبقية الشعب الصحراوي ما يصلنا من أخبار عن “الإضراب البطولي عن الطعام” الذي يخوضه المعتقل الصحراوي، “محمد لمين هدي”، منذ 13 يناير 2021 بسجن تيفلت، و الذي وصل إلى 65 يوما متواصلة، و كان كل يوم يمر إلا و يزداد تعاطفنا مع عائلة السجين و ما تعرضت له من طرف سلطات الاحتلال بمدينة العيون المحتلة، و انخرطنا في حملة “انقذوا هدي”، لاعتقادنا بأن حياته أصبحت على المحك و أن شبح الموت يحوم حوله…. و لكن، حين اكتشفنا بأن كل ما جرى تداوله، لا يمت للحقيقة بصلة، و أنه مجرد مسرحية للاستهلاك الإعلامي، حاله كحال شطحات “سليطينة”، هنا كان لزاما أن نتطرق للموضوع و نذكر بأننا نفقد كل مرة مصداقية نضالنا من خلال التلاعب بالأساليب النضالية المشروعة.
فالإضراب عن الطعام هو أسلوب نضالي يؤتي نتائج باهرة، في حال تنفيذه في ظرفية مواتية و بالشكل المطلوب، و قليلة هي المرات التي كان فيها الإضراب حقيقيا بالنسبة للضحايا الصحراويين، لعل أبرزه ما قامت به “امينتو حيدر” سنة 2009 بمطار لانثروتي، احتجاجا على طردها من العيون المحتلة، و الذي كانت آثاره بادية للعيان على جسدها و صحتها؛ فالإضراب عن الطعام قولا و فعلا، يعني التوقف عن تناول الطعام نهائياً والاعتماد على الماء مخلوط مع الملح أو السكر، (او الاكتفاء بالشاي)، بحيث يمر المضرب عن الطعام بمراحل صحية متعددة و عصيبة، تبدأ مباشرة تأثيراته خلال اليومين الأولين بظهور تقلصات مؤلمة في المعدة… و في الأسبوعين الأول والثاني تختفي آلام تقلـصات المعدة ويبدأ الصداع والإرهاق نتيجة انخفاض معدلات السكر في الدم.… و في الأسبوعين الثالث والرابع، هناك إحساس بالجوع الشديد مصحوب بالدوخة وقلة التركيز مع ضمور في العضلات وتباطؤ في دقات القلب وانخفاض في الضغط الدموي… و بعد الشهر الأول – وهي المرحلة الأصعب- يفقد الجسم نحو ثلث وزنه مع قيء شديد ودوار واختلال في الحواس، و تتطور الحالة إلى فقدان السمع والبصر ومشكلات حادة في التركيز، إضافة لنزيف في أماكن مختلفة في الجسم، بالتزامن مع فشل في بعض الأعضاء... و بعد الأسبوع السادس، تصبح فرضية الموت واردة في كل وقت، مع احتمال فشل مفاجئ في القلب أو انسداد في الشرايين.
هذا الترتيب في الأعراض الخطيرة الصحية هو ما يحدث لأي إنسان طبيعي خاض تجربة الإضراب عن الطعام بشكل فعلي، لكن في حالة “محمد لمين هدي”- و في حالات أخرى صحراوية سبقته إلى هذه المناورة- فهذا التحليل الطبي و العلمي يبقى بلا معنى و مجرد كلام لا يقاس عليه، بل و يحتاج إلى دراسة جديدة من فريق علمي يخضع لها جسد “بطلنا”، ليكتشف العالم سر هذا الصمود و هذه المعجزة التي جعلته – بعد 65 يوما من الجوع- يبقى محافظا على وزنه و قادرا على الحركة و الكلام و التفكير، و قد يستطيع النجاح في الامتحانات الجامعية و بأعلى معدل.
للأسف، إننا أمام قضية جديدة من قضايا الاستهتار بالقضية الصحراوية، بسبب عدم الجدية في طرح بعض الملفات الحقوقية، و قد يقول قائل بأن كل الوسائل مباحة في سبيل إحراج المحتل المغربي أمام العالم…. و لكن ليس بهذا الأسلوب الغبي فالأجداد قالوا: “المسلة اللا محبوكة و الا متروكة”؛ فلسنا وحدنا من تورطنا في التضامن و الدفاع عن “محمد لمين هدي”، بل هناك أطراف دولية انخرطت معنا بحسن نية، و منها من قام بجمع تبرعات للعائلة بالأورو التي توصلت بها، كما حدث مع “سليطينة”، و بالتالي فهذا التصرف يدخل في باب النصب و الاحتيال و سيصبح من الضروري على القيادة منذ الآن الاستعداد لتلقي مزيد من الصفعات الحقوقية بسبب هذا الغباء النضالي (مضرب عن الطعام لمدة أكثر من شهرين يستطيع المشي على قدميه و يجتاز امتحانات جامعية!!؟) فهذا التناقض الصارخ بين ما تم الترويج له و بين واقعة حضوره للامتحانات الجامعية هو ما سيزيد من تأزيم قضايانا مستقبلا!!
ففى غياب إستراتيجية حقيقية للنضال بالأرض المحتلة، أصبحت القيادة الصحراوية تجري وراء أي شيء و أي حدث يمكن استغلاله إعلاميا، حتى و لو كان من باب الكذب، و هذا التوجه اللامسؤول المبني على خلط الأوراق يفسر جانبا من تفكير القيادة الانفعالي الذي تريد من خلاله التخلص بأي وسيلة من الضغوط الشعبية التي تواجهها بسبب الانتكاسات السياسية و الدبلوماسية و العسكرية، و قد نجحت- إلى حد ما في هذا المسعى التنويمي- بعدما تناسينا بأن هناك مقاتلين يخوضون حربا غير متكافئة مع جيش الاحتلال المغربي، و أصبحنا نتحدث فقط في لقاءاتنا التنظيمية عن حالتي “سليطينة” و عن عائلة “هدي” ، و كأن هذين الحدثين هما قاطرتي النضال الذي سيحقق استقلال الوطن.
كفى استحمارا للعقول و كفى كذبا على أنفسنا قبل غيرنا، فالطريق الذي تسلكه القيادة اليوم بتبنيها لقضايا حقوقية خاسرة يدل على أنها تدير الأمور بالانفعال و لم تعد تفكر بعقل … و في غياب العقل، كل التوقعات محتملة، كل الحماقات منتظرة، كل المصادفات ممكنة، كل الخسائر واردة، كل ضربات الحظ متاحة،… فى غياب العقل.. يحمل السفهاء على الأعناق، يتصدر التافهون المشهد، تتحول الفتنة إلى سلوك وعادة تتم ممارستها في لذة ونشوة.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك