بـقـلـم : بن بطوش
إذا كان حبل الكذب قصير، فحبل صبرنا أصبح أقصر بكثير على ما تفعله قيادتنا، التي أذاقتنا كل أصناف البهتان، ذلك أن اللحاق الدولي المعروف باسم “أفريكا إيكو رايس” قد مر من أراضي الصحراء الغربية، و عبر المعبر الملعون، و بقيت أعين قيادتنا شاخصة و صوتها لا يزال يتردد بالتهديدات و الوعيد و استهداف المشاركين في السباق الدولي، و هي التي قالت أنها تمتلك المسيرات و أنها سوف تنقل القتال إلى الأعماق و لوحت بالتهديدات و أزبدت و أرعدت…، لكن في النهاية مرت العربات المشاركة فوق تراب الأراضي المحتلة، و جالت صورها العالم و بثت القنوات و في مقدمتها “الجزيرة” خارطة المحتل المغربي و قد دمجت بها الصحراء الغربية، و كانت مشاهد العربات و هي تتسابق فوق الأراضي الصحراوية موجعة كثيرا، و كأنها تدوس قلوبنا…
و رغم كل ذلك الحزن و الوجع وجبت منا كلمة حق، و شهادة عدل، أن المحتل المغربي أفضل من يستغل الفرص و يقتنصها، و أننا اليوم بعد مرور المشاركين و عجز قيادتنا عن تنفيذ ما هددت به و عن فعل أي شيء و اكتفائها بالتأمل في غبن و كمد، أدركنا حجم الخسارة التي تسببت بها هذه القيادة يوم أرسلت النساء و الشيوخ و العجزة يجرون النعال لنهش إسفلت الطريق و إغلاق المعبر…، حينها قلنا أن القيادة تلف على رقابنا عقد العار و المهانة البرّاق الذي تجيد صياغته، و قال غيرنا ممن ينعق في إعلام البيت الأصفر أنها بداية النصر، و اليوم مع مشاهدتنا لصور اللحاق و العربات تتسابق نحو المعبر بفرح، شعرنا بأن الجرح لا يزال ينزف بآلام مضاعفة، و أنه لن يندمل حتى بعد مئات السنين، و أن ما فقدناه لم يكن مجرد أراضي و بوابة نحو موريتانيا، بل فقدنا كرامتنا و هيبتنا و وصية الأجداد، فقدنا الحماس و الرغبة و الثقة في ثورتنا و فقدنا كل ما بقي من حصة للأمل في قلوبنا.
و لأن الغباء معدي و مدمر و قاهر…، فإن الحليف يكرر نفس الأخطاء التي تنتجها قيادتنا و يصر على ذات الزلات، لكن هذه المرة لم تكن الأخطاء داخل النفوذ الجزائري فقط، بل ارتكبت على نطاق أوسع و أثرت على اللحمة العربية، حيث توشك أن تتحول “قمة لم الشمل” إلى قمة الشرخ العربي الكبير و الخلافات المدمرة، بعد أن أعلن القادة العرب مقاطعتهم للقمة، و حتى الآن من ضمن القادة الذين أعلنوا مشاركتهم بشكل رسمي في القمة العربية بالجزائر، هم الرئيس التونسي “قيس سعيد” و رئيس السلطة الفلسطينية “محمود عباس” و الرئيس الجزائري “تبون” الذي سيرأس القمة…، فيما أعتذر عن الحضور معظم القادة العرب، و بينهم من فضلوا تجاهل الطلبات و لم يعلنوا عن المشاركة، رغم أن الإعلام الجزائري يروج بقوة لحضور ملك المغرب و يراهن على هذا الحدث لإنقاذ القمة من الفشل، و منحها الزخم الإعلامي الذي قد يجمل صورة النظام الجزائري أمام الرأي العام الجزائري و العربي و حتى الأوروبي.
هذه الاعتذارات المتوالية دفعت بالإعلام الجزائري إلى اتهام ولي العهد السعودي بخدمة الأجندة المغربية، و محاولة إفشال القمة و ضرب قناعات و شعارات النظام الجزائري الذي يراهن كثيرا على نتائجها، و يخطط لجعلها قمة تاريخية بكل المقاييس، بإعلان قيام الدولة الفلسطينية بشكل كامل و باعتراف كل الدول العربية بها، و بدأ تنزيل مشروع حل الدولتين، و هو الخيار الذي قبل به جل القادة العرب و فرحوا له…، لكن الإعلام الجزائري يحاول تصوير تخلف القادة العرب عن حضور القمة كتآمر على نوايا الجزائر تجاه القضية الفلسطينية، و محاولة لسحب الملف من النظام الجزائري، و يحاول تسويق صورة خطرة جدا عن القادة العرب، عبر استهداف شخص ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان”، لكن الحقيقة التي لم يعلن عنها الإعلام الجزائري لا ترتبط بالقضية الفلسطينية، بل بالعلاقات الإيرانية – الجزائرية.
إذ تقول المصادر التي نشرت تسريبات حصرية نقلا عن مصادر من داخل الجامعة العربية، و أيضا تلك المقربة من رئيسها المصري “أبو الغيط”، الخلاف العربي حصل حول طلب العربية السعودية إدراج مناقشة العدوان الإيراني على الدول العربية ضمن جدول الجلسات، و عرض الدمار الذي أحدثته الاختراقات الإيرانية في اليمن و العراق و سوريا و لبنان…، و هجماتها باستخدام المسيرات على المنشآت داخل حدود العربية السعودية، و حرب طهران ضد العرب بالوكالة، و تجييشها الملشيات داخل الدول العربية، و دعم الثوار الإيرانيين لإسقاط حكم…، و كانت الغاية من فرض هذه الأجندة هو إدانة الإرهاب الإيراني في المنطقة، و محاولة ابتلاعها دولا عربية عن بكرتها…
لكن الجزائر رفضت المقترح و حاولت استخدام الفيتو ضد هذه البرمجة و تجنيب القمة نقاشا من هذا الحجم، الشيء الذي رأت فيه العربية السعودية تعاطفا و دعما صريحا من الجزائر لطهران، و عدم الاكتراث بالخسائر العربية و التهديدات التي تواجه دول الجامعة العربية، و هي تواجه العدوان الإيراني، و تحاول التمدد في كل الشرق الأوسط، و هو الأمر الذي يفسر الرحلات المكوكية لـ “أبو الغيط” بين القاهرة و الرياض و دبي و الدوحة ثم الجزائر، لكن في النهاية لم يتحصل على رؤية عربية موحدة للقمة، و دافعت الجزائر عن دعمها الصريح لطهران، و طالبت الجزائر جميع الدول العربية المشاركة اعتبار أن رفض إدانة العدوان الإيراني حصل نظير رفض العرب مناقشة القضية الصحراوية، و مثل هذه المساومات تضر كثيرا بقضيتنا الصحراوية، و تزيد من النفور العربي إتجاه الشعب الصحراوي.
الخلاف امتد بين الرياض و الجزائر إلى صيغة البيان الذي حمل اعتذار المملكة السعودية عن حضور ولي العهد “محمد بن سلمان”، بعد أن كان الأمير السعودي قد ربط الاتصال شخصيا بالرئيس الجزائري ليعتذر و بكل أناقة عن المشاركة، و إبلاغ النظام الجزائري بأن الأطباء أشاروا عليه بعدم الإجهاد، و حمل الاتصال الكثير من الاحترام للجزائر و للشعب الجزائري، و تأكيدا للمكالمة الهاتفية، أصدر القصر الملكي السعودي بيانا يعتذر فيه بكل دبلوماسية عن حضور الأمير، و لا يذكر الأسباب بعدما أبلغ “محمد بن سلمان” الرئيس الجزائري بتفاصيلها هاتفيا، لكن الرئاسة الجزائرية أصدرت بيانا تكشف فيه سبب غياب الأمير السعودي عن القمة، و هذه كانت زلة دبلوماسية، مما اضطر القصر الملكي السعودي إلى إعلان بيان ثاني يشرح أسباب الغياب عن القمة العربية للرأي العام السعودي، الذي أبدى ردة فعل خائفة على صحة الأمير بعد البيان الجزائري.
تخيل أيها القارئ الكريم وضع النظام الجزائري الذي راهن على القمة و أسماها “قمة لم الشمل”، و ظل متشبثا بأسباب الخلاف، و أهم نقاطها، و الأكثر أنه دافع بشكل غير مبرر عن عدو مشترك للدول العربية و مصدر الخطر الأول، و الذي أصبح يفوق الخطر الإسرائيلي على المنطقة…، و لكن الأخطر ليس فشل القمة مع تغذية قصر المرادية لشروط تصدع الصف العربي قبل انعقادها…، بل توريط القضية الصحراوية و الشعب الصحراوي في هذه الجلبة و هذا النقاش، بعد أن ورطها قادتنا بتصريحات امتلاك المسيرات الإيرانية، و أيضا بعد أن ورطها المحتل المغربي مع المجتمع الدولي مستغلا تصريحات قيادتنا باستهداف المنشآت و الشركات الأجنبية و السياح…
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك